فن وثقافة

” حيل أنيقة للبقاء “

بقلم -طارق غريب

” حيل أنيقة للبقاء ”
(خشبة شبه عارية. كرسي ، طاولة صغيرة ، كوب ماء ، دفتر مغلق.
ضوء دافئ مائل للذبول. طارق يقف في المنتصف ، كأنه يستمع لشيء لا نسمعه. ثم يتكلم.)
أنا طارق :
أنا لا أبحث عن خلاص.
ولو كنت أبحث عن خلاص
لكنت اخترعت إلها على مقاسي
أو صدقت نبوءة تصلح لي وحدي
أو أقنعت نفسي أن هناك باباً خلف هذا الجدار
باباً لا يحتاج مفتاحاً ولا شجاعة ، فقط نسياناً جيداً
(ابتسامة خفيفة)
لكنني لا أريد أن أنسى
أنا أريد طريقة أنيقة لأبقى
(يتقدّم خطوة)
المشكلة ليست في الموت.
الموت بسيط. يحدث وينتهي
المشكلة في أننا نراه قادماً
نراه مثل قطار بعيد ، في البداية نقطة
ثم صوت ، ثم ارتجاف في الأرض ، ثم يصبح كل المشهد
(يصمت لحظة)
منذ اللحظة التي قلت فيها ‘ أنا ‘
نشأت الحدود. من هنا أنا ومن هناك
كل ما يمكن أن لا يهتم بوجودي على الإطلاق
(ينظر إلى يديه)
هذا الجسد؟ حد , هذه الذاكرة؟ حد
هذه اللغة التي أحاول أن أرتب بها الفوضى؟ حد آخر
نحن لا نعيش داخل العالم
نحن نعيش داخل نسخة مصغرة منه
نسخة تناسب قدرتنا على الاحتمال
(يضحك بخفة)
يقولون : كن موضوعيا
وكأن الموضوعية ليست حيلة أخرى!
وكأنك تستطيع أن ترى الأشياء بلا عينين
أو تفهمها بلا قلب
أو تحكم عليها بلا خوف صغير
يختبئ في الخلفية ويهمس : ‘ وماذا عنك أنت؟’
(يجلس)
حتى حين نحب ، نحب من زاوية بقائنا.
نريد الآخر لأن وجوده يوسع حدود قصتنا قليلاً
أو يخفف ثقل وحدتنا
أو يمنحنا وهماً جميلاً بأن النهاية لن تكون صامتة تماماً
(ينهض ببطء)
لا أحد يخرج من نفسه
كل ما نفعله هو أننا نعيد ترتيب الغرفة من الداخل
ونسمي ذلك : تطوراً ، نضجاً و حكمة
(ينظر إلى الجمهور)
قولوا لي بصراحة :
هل رأيتم يوماً إنساناً لا يدافع عن تعريفه لنفسه؟
حتى الذي يقول : ‘ أنا لا شيء ‘
يدافع بشراسة عن هذا اللاشيء
(صمت قصير)
ولهذا اخترعنا الفن واخترعنا الفلسفة
واخترعنا الحكايات والمذاهب والقصائد
والأغاني التي تُسمع أكثر مما تُفهم
(يشير إلى رأسه)
الفلسفة ليست إجابات
الفلسفة هي طريقة للجلوس أمام الأسئلة دون أن ننهار
هي أن تقول للهاوية : انتظري قليلاً
دعيني أرتب أفكاري قبل أن أنظر إليك مباشرة
(يشير إلى صدره)
والفن؟ الفن ليس جمالاً
الجمال كلمة مهذبة للألم حين ننجح في تهذيبه
هو أن نضع إطاراً حول الجرح
فنستطيع أن نراه دون أن ننزف فوراً
(يمشي ببطء)
نحن لا نعيش لأن الحياة تستحق
نعيش لأننا نجيد تبريرها
نعلق ستارة على الفراغ ، ونقول : هذا أفق
نضع موسيقى على الضجيج الداخلي ، ونقول : هذا معنى
نكتب جملة جيدة ، فننسى قليلاً أن النهاية لا تهتم بالجمل
(يتوقف)
هل هذا خداع؟ نعم.
لكن أي حياة بلا خداع؟ قل لي :
هل تستطيع أن تعيش يوماً كاملاً
دون أن تكذب على نفسك مرة واحدة على الأقل؟
(يضحك، ثم يصمت)
الوعي ، هذا الامتياز المشؤوم
يعطيك القدرة على رؤية النهاية
ولا يعطيك القدرة على إلغائها
كأنك تمنح خريطة الرحلة كاملة
وتُقال لك بابتسامة مهذبة : ‘ المنظر جميل ، أليس كذلك؟’
(ينحني قليلًا للأمام)
وماذا تفعل؟ تكتب ، تفكر ، تحب
تتشاجر مع أفكارك ، تتصالح معها
تخترع حكاية جانبية ، كأنك تقول للموت :
‘ انتظر قليلاً ، أنا في منتصف فقرة جيدة.’
(ينظر إلى الدفتر على الطاولة ، لا يفتحه)
نحن لا نريد الخلود ، الخلود فكرة مرهقة
يكفينا تأجيل أنيق ، يكفينا أن نترك أثر حرارة
ككرسي ما زال دافئاً بعد أن ينهض صاحبه
(يرفع رأسه)
يخيفوننا بآلة واعية. يقولون :
تخيّل كائناً يفكر مثلنا ، ويشعر مثلنا ، وربما يريد مثلنا
وأنا أقول : الخطر ليس في أن تفكر الآلة
الخطر أن تدخل المأساة نفسها
أن ترث هذا الامتياز المشؤوم :
أن ترى النهاية وتبحث عن معنى قبلها
(صمت)
كل وعي ، بمجرد أن يظهر
يرسم دائرة حول نفسه
ثم يقف داخلها كحارس مرتبك
يسمي الدائرة : أنا
ويسمي ما خارجها : احتمال الخطر
(يبتسم بمرارة)
حتى أكثر الأحلام كونية ، أكثر الشعارات إنسانية
لو خدشتها قليلاً ، ستجد تحتها سؤالاً صغيراً جداً :
‘ وكيف أنجو أنا من كل هذا؟ ‘
(يمشي نحو الضوء)
نحن لا نهزم المأساة ، نحن نعلمها الذوق
نطلب منها أن تدخل بهدوء ، أن لا تكسر الأثاث فوراً
أن تسمح لنا بترتيب الغرفة قبل أن تطفئ النور
(ينظر إلى الضوء)
حتى الحقيقة
لا نطيقها عارية ، نلبسها استعارة
نضع عليها معطف فكرة ، نضيف إليها إيقاعاً
فاصلة ، نقطة في مكان ذكي
ثم نقول : هكذا أصبحت محتملة
(يضحك بهدوء)
انظروا إلينا : نحول الفقد إلى قصيدة
والهزيمة إلى رواية ، والخوف إلى نظرية
ثم نصفق لأنفسنا كأننا انتصرنا
(يصمت)
نحن لم ننتصر ، نحن فقط أحسنا السرد
(يتقدم خطوة)
أنا لا أريد أن أكون شجاعاً ، الشجاعة كلمة ثقيلة
أريد أن أكون ماهراً في التحايل
أن أختار الكلمات التي تجعل الهاوية أقل صخباً
أن أختار الإيقاع الذي يسمح لقلبي
أن يستمر في الضرب دون احتجاج
(ينظر إلى الجمهور)
ولو كان علي أن أختار بين حقيقة تقتلني فوراً
وكذبة جميلة تسمح لي أن أتنفس قليلاً
سأختار الكذبة ، لكن كذبة متقنة
كذبة مكتوبة بأسلوب جيد ، كذبة تستحق أن تُروى
(يبتسم)
نحن كائنات تعيش على الحيل.
حيل لغوية ، حيل فكرية ، حيل جمالية
لكنها ، رغم هشاشتها
هي ما يجعل هذا العبث قابلاً للسكن
(يتجه نحو الكرسي ، لا يجلس)
نحن لا نبحث عن النجاة
النجاة فكرة كبيرة على أكتاف صغيرة
نحن نبحث عن أسلوب يليق بالغرق
عن جملة أخيرة جيدة ، عن إضاءة مناسبة
عن صمت لا يفضحنا
(ينظر طويلاً إلى الفراغ)
وإن كان لا بد من السقوط
فلنسقط بطريقة يمكن أن تُحكى
(إظلام تدريجي بطيء ، ستار)
طارق غريب – مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock