صحف وتقارير

حين استفز العلم المشاعر.. رسالة الشارع المصري تتجاوز حدود الحادثة

بقلم احمد شتيه

 

 

شهدت منطقة كرداسه واقعة مثيرة للجدل بعدما أقدم شخص على اقتحام الشارع بسيارة تحمل علم إسرائيل، في مشهد أثار حالة من الغضب والاستفزاز بين الأهالي، الذين اعتبروا التصرف خروجًا عن السياق الوطني والمشاعر الشعبية الرافضة لما يجري في الأراضي الفلسطينية.

 

ردة فعل الأهالي جاءت سريعة وحاسمة، حيث تجمع المواطنون اعتراضًا على رفع علم دولة ترتبط في الوجدان الشعبي المصري بمشاهد القصف والدمار في قطاع غزة، خاصة في ظل تصاعد العمليات العسكرية التي يقودها جيش الاحتلال ضد المدنيين.

الهتافات والاعتراضات التي صدرت من المواطنين لم تكن مجرد انفعال عابر، بل عكست حالة احتقان شعبي متراكمة بسبب ما تبثه الشاشات يوميًا من صور الضحايا، وهو ما جعل كثيرين ينظرون إلى الواقعة باعتبارها استفزازًا لمشاعر المصريين.

 

الواقعة تطرح سؤالًا مهمًا: هل ما حدث رسالة رادعة ضد أي مظهر من مظاهر التطبيع الشعبي؟

لا يمكن إنكار أن العلاقات الرسمية بين القاهرة وتل أبيب تحكمها اتفاقية سلام منذ عقود، إلا أن المزاج الشعبي ظل دومًا مختلفًا، يتأثر بالمتغيرات الميدانية، خصوصًا مع تصاعد الأحداث في غزة.

اللافت أن الحادثة وقعت في توقيت تشهد فيه المنطقة توترًا غير مسبوق، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية، وهو ما يجعل رد الفعل الشعبي مفهومًا في سياق التعاطف الواسع مع القضية الفلسطينية، لكنه في الوقت ذاته يفرض ضرورة الاحتكام إلى القانون وعدم الانجرار إلى فوضى أو اعتداءات.

 

الإعلام العبرى ، وعلى رأسه صحف مثل هآرتس ويديعوت أحرونوت، تناول الحادثة من زاوية “تصاعد العداء الشعبي في مصر”، معتبرًا أن الواقعة تعكس هشاشة ما يسميه البعض “السلام البارد” بين الشعبين.

التحليلات العبرية ركزت على أن الغضب الشعبي المصري ليس وليد اللحظة، بل يتجدد مع كل تصعيد عسكري في غزة أو الضفة الغربية، وهو ما يضع الحكومة الإسرائيلية أمام معضلة الحفاظ على العلاقات الرسمية دون خسارة الرأي العام في دول المنطقة.

 

من الصعب الجزم بأن ما حدث يمثل تحولًا جذريًا في المزاج العام، لكنه بالتأكيد يعكس موجة غضب وقتية مرتبطة بالمجازر التي تُرتكب في حق المدنيين الفلسطينيين. المصريون تاريخيًا يتفاعلون بقوة مع القضية الفلسطينية، باعتبارها قضية أمن قومي وامتدادًا للهوية العربية.

غير أن الدولة المصرية تفرق دومًا بين إدارة العلاقات الدبلوماسية باعتبارها شأنًا سياديًا، وبين المشاعر الشعبية التي تتحرك وفق معطيات الواقع وصور الدماء القادمة من غزة.

 

برأيي، ما حدث ليس مجرد حادثة فردية، بل مؤشر على أن الشعوب تظل صاحبة الصوت الأعلى حين يتعلق الأمر بالدماء والعدالة. الغضب الشعبي مفهوم في ظل ما يحدث، لكنه يجب أن يظل منضبطًا في إطار القانون.

الرسالة الأهم هنا أن التطبيع الرسمي شيء، والتطبيع الشعبي شيء آخر.

وبينهما مساحة واسعة تتحكم فيها الأخلاق والمواقف الإنسانية قبل الحسابات السياسية. وما دام مشهد الضحايا حاضرًا، ستبقى ردود الأفعال الشعبية حادة، ليس فقط في مص

ر، بل في كل المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock