مقالات وآراء
حين تتحرك كرة الثلج مشروع صحوة أخلاقية ومعرفية للنخبة العربية
بقلم صالح تواتي من الجزائر

قال مرماديوك باكتول ذات يوم إن المسلمين قادرون على نشر حضارتهم بالسرعة ذاتها التي انتشرت بها أول مرة إذا عادوا إلى الأخلاق التي صنعت مجدهم لأن العالم الخاوي لا يستطيع الصمود أمام روح عامرة بالقيم هذه ليست جملة عابرة بل مفتاح قراءة لواقعنا اليوم فنحن لا نعاني من نقص في الموارد ولا في التاريخ بل من فجوة أخلاقية ومعرفية عطلت طاقاتنا وجعلتنا على هامش التحولات الكبرى.
العالم يعاد تشكيله بقوة الاقتصاد والمعرفة والتكنولوجيا والتحالفات الذكية ومن لا يمتلك مشروعه يصبح موضوعا في مشاريع الآخرين لا شريكا فيها لسنا ضحايا قدر محتوم بل أسرى غياب رؤية متكاملة تبدأ بإصلاح الداخل قبل نقد الخارج فالرسول صلى الله عليه وسلم حين بُعث لم يؤسس دولة بالسيف أولا بل أعاد بناء الإنسان قيميا فصارت الأخلاق قاعدة العمران.
إن صحوة حقيقية للنخبة العربية لا تعني خطابا صاخبا بل انتقالا من التوصيف إلى التأسيس ومن رد الفعل إلى الفعل المنظم وذلك عبر مشروع فكري قابل للتطبيق يقوم على أربع ركائز واضحة.
أولا إعادة الاعتبار للأخلاق بوصفها بنية تحتية للحضارة لا خطابا وعظيا وذلك بإدماج منظومة القيم في التعليم والإعلام ومؤسسات الدولة وربطها بالمساءلة والشفافية حتى يصبح الصدق والكفاءة معيارا للترقي لا الولاء والضجيج.
ثانيا إصلاح التعليم جذريا بتحويله من نظام تلقين إلى منظومة تفكير نقدي وإنتاج معرفة عبر الاستثمار في المعلم ماديا ومعنويا وتحديث المناهج وربط الجامعة بسوق الإنتاج والبحث العلمي فالأمم لا تُحترم إلا بجامعاتها ومختبراتها.
ثالثا بناء اقتصاد منتج قائم على المعرفة لا الريع وذلك بتشجيع ريادة الأعمال والصناعات التقنية والطاقات المتجددة والتكامل الإقليمي الحقيقي فالتجزئة تضعفنا بينما السوق المشتركة والتنسيق العلمي يعززان قدرتنا التفاوضية.
رابعا تشكيل نخب فكرية مستقلة تؤطر الرأي العام وتنتج رؤى استراتيجية بعيدة المدى عبر مراكز دراسات حقيقية لا شكلية تقدم بدائل وسياسات قابلة للتنفيذ وتربط القرار السياسي بالمعرفة الرصينة.
ليست القضية أن ننتظر تغير النظام الدولي ولا أن ننشغل بلوم القوى الكبرى بل أن نسأل بجرأة ماذا أعددنا نحن إن امتلكنا ثلاثية الأخلاق والمعرفة والاقتصاد سنفرض حضورنا بلا صدام لأن العالم يحترم من يملك أدواته لا من يرفع صوته و الامثلة الجاهزة موجودة كمشروع الصين و ماليزيا و غيرها.
كرة الثلج لن تتحرك إلا إذا دفعتها نخبة واعية تؤمن أن دورها ليس الترف الفكري ولا الاصطفاف الموسمي بل صناعة وعي جماعي منظم يوقظ الضمير ويحوّل الغضب إلى مشروع والعمل الفردي إلى مسار مؤسسي.
الصحوة ليست حلما رومانسيا بل خيارا تاريخيا إما أن نصنع مشروعنا الحضاري بهدوء وثبات وإما أن نبقى مادة خاما في خرائط الآخرين واللحظة الراهنة رغم تعقيدها تحمل فرصة نادرة لأن من يتأخر عن البناء اليوم سيدفع ثمن التبعية غدا ولن يكون لنا إلا ما سعينا إليه بالفعل المنظم والرؤية الواضحة والإرادة التي لا تكتفي بالتشخيص بل تشرع في التنفيذ



