مقالات وآراء

حين تتحول اللافتات الدينية إلى أدوات سياسية

أيمن بحر

فى خضم الأحداث المتلاحقة التى تمر على المنطقة، تمر علينا يوميًا بيانات صادرة عن كيانات تحمل أسماء رنانة توحي بالقداسة والهيبة، ومن بينها ما يُسمى بـ«الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين». اسم كفيل – للوهلة الأولى – بصناعة الاحترام وإثارة الثقة فى النفوس غير أن التمعّن فى المسار والسياق يكشف أن الاسم شيء، والحقيقة شىء آخر تمامًا.
هذا الكيان، الذي يُقدَّم للرأي العام باعتباره مظلة جامعة لعلماء الأمة، لا يمكن قراءته خارج الإطار السياسي البحت. فالعلاقة بينه وبين الدين لا تتجاوز حدود التوظيف الرمزي، تمامًا كما تُستخدم الشعارات الجذابة في التسويق، بينما يُدار المحتوى الفعلي وفق حسابات وأجندات لا تمت للعلم الشرعي بصلة.
من الناحية النظرية، يندرج هذا النموذج تحت ما عُرف فى أدبيات العمل الاستخباراتي الغربى بفكرة اختراق المجتمعات عبر منظمات مدنية ودينية عابرة للحدود، لا تخضع لرقابة الدول، وتعمل كأذرع ناعمة لتنفيذ سياسات غير مباشرة. وهى الفكرة التى كتب عنها ضابط المخابرات الأمريكى السابق فيليب آجي في كتابه الشهير «داخل الشركة»، موثقًا تجارب مشابهة في دول عدة.
تأسس الاتحاد عام 2004 تحت شعار براق يدعو إلى جمع علماء المسلمين من مختلف أنحاء العالم، غير أن التأسيس جاء في الدوحة، وبتمويل قطري واضح، وعلى يد يوسف القرضاوي، الذي لم يُخفِ يومًا مواقفه العدائية تجاه الدولة المصرية خلال العقود الأخيرة. ومنذ اللحظة الأولى، بدا أن الكيان وُلد مسيّسًا، لا علميًا.
اللافت أن الاتحاد يضم أطيافًا دينية متناقضة دون أي إطار علمي ضابط، ما يعكس أن الهدف لم يكن الاجتهاد أو التقريب بقدر ما كان توسيع القاعدة الوظيفية. ومع الوقت، تبلورت صورته كواجهة ناعمة للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، على غرار أدوار مشابهة لعبتها منظمات أخرى في سياقات سياسية مختلفة.
وبالعودة إلى سجل المواقف، نجد أن الاتحاد بارك نتائج انتخابات حماس في غزة عام 2005، وأشاد بحسن نصر الله، ومنح بشار الأسد ألقابًا شرفية، وكرّم أمير قطر السابق دون مبررات موضوعية واضحة. ثم، منذ عام 2008، صبّ تركيزه بالكامل على مهاجمة الدولة المصرية، متهمًا إياها بحصار غزة، ومُحمّلًا الشعب والحكومة مسؤوليات تتجاهل تعقيدات الواقع والسيادة الوطنية.
بلغ التوظيف السياسي ذروته عقب أحداث يناير 2011، حين أيد الاتحاد الفوضى بوصفها «انتفاضة مباركة»، وهاجم الجيش المصري، ثم أصدر فتاوى وبيانات اعتبرت انتخاب محمد مرسي «فرض عين» على المصريين، في سابقة خطيرة لتسييس الفتوى وتحويلها إلى أداة ضغط سياسي.
ولم يتوقف الأمر عند الشأن المصري، بل وصل إلى حد مباركة ضرب حلف الناتو لدولة عربية ذات سيادة هي ليبيا، في واحدة من أكثر اللحظات سقوطًا أخلاقيًا، حين تماهى الخطاب الديني مع التدخل العسكري الغربي تحت لافتة إنسانية زائفة.
ومنذ 3 يوليو 2013، لم تتوقف بيانات الوعيد والتهديد، تلتها مواقف داعمة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ودعوات صريحة للتصويت له، فضلًا عن نعي شخصيات مثيرة للجدل، في مقابل صمت كامل تجاه أي دم مصري، أو أي شهيد وطني، أو أي معاناة حقيقية عاشها المصريون.
وفي الملف السوري، أعاد الاتحاد إنتاج المشهد ذاته، بمنح الشرعية الدينية لشخصيات وتنظيمات مسلحة، وتقديم رموز بعينها بوصفها منقذة الأمة، في تجاهل كامل لتعقيدات الواقع ومآسي الشعوب.
الخلاصة أن ما يُسمى بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ليس كيانًا علميًا، ولا مؤسسة دعوية مستقلة، بل أداة وظيفية لصناعة وعي زائف، وتديين الصراع السياسي، وتوظيف المشاعر الدينية لخدمة مشروعات عابرة للأوطان. هو نموذج صارخ لكيف يمكن للاسم أن يخدع، وللشعار أن يستر حقيقة الدور.
والوعي هنا ليس ترفًا، بل ضرورة، لأن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس العدو الصريح، بل الكيان الذي يرتدي عباءة الدين، ويتحدث باسم الله، بينما يعمل وفق خرائط السياسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock