فن وثقافة

حين ضاق الأمان واتسع البحر

بقلم : عماد نويجى 

 

في صباحٍ لم يختلف كثيرًا عن غيره كانت المياه هادئة كأنها صفحة زجاجٍ أزرق وكانت السمكة الصغيرة تدور في فلكها الضيق تحفظ حدود الشعاب كما يحفظ الطفل حدود سريره كلُّ شيءٍ كان آمنًا… وربما لهذا كان خانقًا

 

لم تكن تدري متى بدأ السؤال ينقر قلبها

أهناك ما وراء هذا الأفق المائي؟

كانت الأسماك الأكبر تبتسم ابتسامة العارف وتقول

البحر واسع… لكن السلامة في القرب

فتهزّ ذيلها صامتة غير أن في أعماقها نارًا صغيرة لم تكن تعرف كيف تطفئها

 

في ذلك اليوم حين تسلّل خيطُ ضوءٍ ذهبي بين الصخور شعرت أن البحر يناديها باسمٍ لم تسمعه من قبل تقدّمت خطوة… ثم أخرى. كان الخوف يمشي بمحاذاتها لكن الفضول كان أسرع

خرجت في البدء بدا العالم أرحب مما تخيّلت وأبرد مما اعتادت تياراتٌ خفية دفعتها بعنف وظلالٌ كبيرة مرّت فوقها كغيومٍ مريبة ارتجف جسدها الصغير وكادت تعود… كادت فقط

لكنها تذكّرت السؤال واصلت السباحة

 

مرّت بغابةٍ من الأعشاب البحرية تتمايل كراقصاتٍ صامتات وشاهدت أسرابًا من أسماكٍ لم ترَ ألوانها من قبل حتى ظنّت للحظة أن البحر يبتسم لها غير أن المغامرة كما بدأت تفهم لا تهدي جمالها بلا امتحان

 

فجأةً هبط الصمت الثقيل ومن العتمة… ظهرت

سمكةٌ مفترسة عيناها كجمرتين

تجمّد الماء حولها وتجمّد قلبها معها في تلك اللحظة القصيرة بين الحياة والافتراس لم تفكر في الشعاب… ولا في الأمان… بل في شيءٍ واحد: أنها اختارت الطريق بنفسها

 

استدارت بكل ما تملك من سرعة واخترقت التيار كرمحٍ من فضة طاردها الخطر وضاق النفس وارتجف الذيل… لكنها لم تتوقف حتى نجت

 

حين هدأ البحر من جديد كانت أبعد مما حلمت يومًا أن تصل كانت متعبة… خائفة قليلًا… لكنها لأول مرة شعرت أنها أكبر من حدودها القديمة

 

نظرت حولها ثم همست لا لأحد بل لنفسها

هكذا إذن… تولد الحكايات

وعادت تسبح فالمغامرة لم تكن رحلة زعانفٍ فقط بل رحلة قلبٍ تعلّم أن الشجاعة ليست غياب الخوف… بل القدرة على العبور رغم وجوده وأن من يترك منطقة راحته مرةً واحدة لا يعود أبدًا كما كان

 

ومنذ ذلك اليوم كلما لمع في الماء خيطُ ضوءٍ جديد… كانت السمكة تبتسم وتسبح نحوه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock