
يمر الإنسان بمرحلة غريبة يشعر فيها أن الأشياء التي كانت تملأ قلبه لم تعد قادرة على تحريكه وأن الأماكن التي كانت تسعده لم تعد تشبهه وأن الوجوه التي اعتاد قربها أصبحت مسافة بعيدة لا يستطيع قطعها رغم محاولاته المتكررة وكأن الجزء الداخلي منه قرر أن ينفصل عن العالم قليلًا ليعيد ترتيب نفسه من جديد
هذا التغير لا يأتي بصوت مرتفع ولا يعلن نفسه لكنه ينساب في
الروح ببطء يبدأ من التفاصيل الصغيرة من طريقة النظر للأشياء من ردود الأفعال من الصمت الذي أصبح أطول من المعتاد ومن التفكير الذي صار أعمق وأكثر حذراً وكأن الحياة تزرع وعيا جديدا داخل الإنسان دون أن يلاحظ ومع هذا التغير يبدأ الإنسان يفهم أن ما كان يتمسك به بقوة كان مجرد خوف من المجهول وأن العلاقات التي حاول حمايتها لم تكن تستحق ذلك وأن الأشخاص الذين ظن
أنهم ثابتون لم يكونوا سوى ضيوف في مرحلة واحدة من حياته وأن كل ما حاول إصلاحه بالقوة كان يحتاج إلى النهاية لا إلى المحاولة ويتعلم شيئا مهما وهو أن التغير ليس خيانة للماضي بل حماية للنفس وأنه ليس هروبا بل عودة للطريق الحقيقي الذي تجاهله لسنوات وأن الخطوة التي يخشاها هي الخطوة التي ستنقذه وأن البدايات الجديدة لا تأتي إلا بعد أن يتخلص من كل ما
علق به حتى ظن أنه جزء منه ومع مرور الوقت تبدأ روحه ترتاح بشكل مختلف ترتاح لأنها أخيرا تسير في اتجاه يناسبها ترتاح لأنها لم تعد تحمل ما لا يخصها ترتاح لأنها لم تعد تبرر وجودها لأحد ترتاح لأنها تحررت من صورتها القديمة التي كانت تفرض عليها أدوارا لا تشبهها ترتاح لأنها فهمت أنها أهم من كل ما فقدته
يدرك الإنسان أن التغير ليس خيارا بل مرحلة حتمية تنضج فيها
روحه وتطلق فيها الأشياء التي أرهقتها وتحتفظ فيها بما يستحق البقاء وأن كل خطوة جديدة مهما كانت مؤلمة ستقوده إلى نسخة أقوى وأصدق وأكثر اتساقا مع ذاته



