فن وثقافة

حين يصفق القضاء للفن… ماذا يعني أن يُكرَّم منذر رياحنة في مصر؟

الناقد الفني عمر ماهر

في لحظة تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها محمّلة بدلالات ثقيلة في باطنها، وقف النجم الأردني منذر رياحنة في واحدة من تلك اللحظات التي يتقاطع فيها الفن مع التاريخ، والدراما مع الذاكرة الوطنية، حين قرر نادي قضاة السويس وجنوب سيناء أن يمنحه درع التكريم خلال سحور رمضاني لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل بدا أقرب إلى لحظة اعتراف رمزية بدور الفن حين يقترب من الحقيقة أكثر مما يقترب من الترفيه، فتكريم فنان عن دور جسّده في عمل درامي ليس جديدًا في حد ذاته، لكن أن يأتي التكريم من مؤسسة قضائية لها ثقلها وهيبتها في الدولة المصرية، فهنا تصبح المسألة أكبر بكثير من مجرد احتفاء بنجم أو تحية لأداء تمثيلي، بل تتحول إلى رسالة ثقافية وسياسية واجتماعية تقول إن الدراما حين تلامس وجدان الشعوب تتحول إلى جزء من الوعي الجمعي، وهذا بالضبط ما حدث عندما جسّد رياحنة شخصية الشيخ إبراهيم العرجاني داخل أحداث مسلسل الاختيار، ذلك العمل الذي لم يكن مجرد مسلسل موسمي عابر، بل مشروع سردي ضخم أعاد فتح دفاتر معركة مصر الطويلة مع الإرهاب، وكأن الشاشة الصغيرة قررت فجأة أن تتحول إلى مرآة كبيرة يرى فيها الناس تاريخهم القريب بكل تناقضاته وألمه وبطولاته.
حين يصفق القضاء للفن… ماذا يعني أن يُكرَّم منذر رياحنة في مصر؟
الحكاية هنا ليست عن فنان يؤدي دورًا وينتهي الأمر، بل عن فنان عربي جاء من خارج الحدود المصرية ليقدم شخصية شديدة الحساسية داخل سردية وطنية معقدة، وفي تلك اللحظة تحديدًا يحدث ما يمكن وصفه بـ”اختبار الصدق الفني”، فالجمهور المصري بطبيعته لا يمنح ثقته بسهولة حين يتعلق الأمر بقصص تخص ذاكرته الوطنية، لكنه في الوقت نفسه يمنح إعجابًا صريحًا عندما يشعر أن الأداء خرج من القلب قبل أن يخرج من النص، وهذا ما جعل شخصية الشيخ إبراهيم العرجاني التي جسدها رياحنة تبدو حاضرة بقوة في وجدان المشاهدين، ليس لأن الدور مكتوب بشكل جيد فقط، بل لأن الأداء نفسه بدا وكأنه محاولة لفهم روح المكان قبل تمثيلها، وهنا يصبح الفن أشبه بجسر ثقافي بين بلدين عربيين، بين الأردن ومصر، بين ممثل يبحث عن الصدق وبين جمهور يبحث عن صورة تشبه واقعه.
واللافت في مشهد التكريم أن المكان لم يكن مسرحًا أو مهرجانًا سينمائيًا أو حتى منصة فنية تقليدية، بل كان لقاء رمضانيًا نظمه ياسر عكاشة المتناوي رئيس محكمة الإرهاب وأمن الدولة، بحضور شخصيات قضائية وسياسية وإعلامية بارزة، من بينهم أحمد الزند وزير العدل الأسبق ورئيس نادي القضاة السابق، وضياء رشوان وزير الدولة للإعلام، إلى جانب المستشار محمد بشري رئيس محكمة الدولة والمستشار محمد صفوت مستشار محكمة استئناف طنطا، ووزير العدل الأسبق فاروق سيف النصر، وهي أسماء حين تجتمع في قاعة واحدة للاحتفاء بفنان، فإن الرسالة هنا تصبح أكثر وضوحًا: الفن لم يعد مجرد صناعة للترفيه، بل أصبح أحد أدوات تشكيل الوعي العام، وربما أحد أشكال التوثيق الشعبي للحظة تاريخية لا تزال آثارها حاضرة في المجتمع المصري.
لكن ما يجعل المشهد أكثر إثارة للتأمل هو الجملة التي قالها رياحنة خلال الحفل، تلك العبارة التي تبدو بسيطة لكنها تحمل فلسفة سياسية وثقافية عميقة: “طالما مصر بخير فالوطن العربي بخير”. في عالم عربي اعتاد أن يرى نفسه عبر حدود متفرقة وهويات متنازعة، تبدو هذه الجملة أشبه بتذكير قديم بفكرة كانت بديهية يومًا ما ثم تراجعت في زحام الأزمات، فكرة أن مصر ليست مجرد دولة في خريطة المنطقة، بل مركز ثقل حضاري وثقافي وسياسي، وأن استقرارها لا يعني فقط استقرارها الداخلي بل يمتد تأثيره إلى محيط عربي كامل، ولذلك حين يقول فنان أردني هذه العبارة في احتفالية مصرية، فهو في الحقيقة لا يتحدث فقط عن السياسة أو الجغرافيا، بل عن شعور ثقافي عميق بأن القاهرة ما زالت تمثل قلب المشهد العربي، حتى لو حاولت التحولات الحديثة أن تقنعنا بغير ذلك.
المفارقة التي تجعل هذا التكريم لافتًا أن الدراما المصرية في السنوات الأخيرة تعرضت لانتقادات كثيرة تتعلق بتراجعها أحيانًا أو بانشغالها أحيانًا أخرى بقضايا بعيدة عن نبض المجتمع، لكن أعمالًا مثل “الاختيار” أعادت فتح النقاش حول الدور الحقيقي للفن: هل هو مجرد حكايات للتسلية أم أنه وسيلة لإعادة قراءة التاريخ القريب؟ وهل يمكن لعمل درامي أن يتحول إلى وثيقة شعورية تسجل ذاكرة شعب؟ في حالة هذا المسلسل يبدو أن الإجابة جاءت واضحة، فنجاح العمل لم يكن فقط في نسب المشاهدة أو في الجدل الإعلامي، بل في قدرته على إعادة طرح سؤال مهم: كيف يمكن للفن أن يواجه الإرهاب ليس بالسلاح بل بالسرد؟ وكيف يمكن لقصة تُروى على الشاشة أن تصبح جزءًا من المعركة ضد النسيان؟
وهنا بالضبط تتضح دلالة تكريم رياحنة، لأنه في النهاية ليس مجرد تكريم لفنان قدم دورًا جيدًا، بل اعتراف ضمني بأن الفن حين يتعامل بجدية مع قضايا المجتمع يصبح شريكًا في تشكيل الوعي العام، وأن الممثل يمكن أن يتحول في لحظة ما إلى ناقل لذاكرة جماعية، وأن الدراما قد تصبح أحيانًا أكثر تأثيرًا من الخطاب السياسي نفسه، لأنها تخاطب العاطفة قبل العقل، وتصل إلى البيوت دون حواجز.
ربما لهذا بدا مشهد التكريم أشبه بلقطة سينمائية في حد ذاته: قضاة ورجال دولة وإعلاميون يجلسون حول مائدة سحور رمضاني، وفنان عربي يقف بينهم ليتسلم درع تقدير عن دور جسّد فيه شخصية واقعية من قلب معركة حقيقية، بينما يصفق الحضور لدقائق لا تبدو مجرد تصفيق لفن، بل لشيء أكبر بكثير… لذكرى معركة، لاعتراف بقيمة السرد، ولحقيقة بسيطة لكنها صادمة في زمن الضجيج: أن الفن حين يكون صادقًا يمكنه أن يقف جنبًا إلى جنب مع المؤسسات الكبرى في حماية الذاكرة الوطنية.
وهكذا يتحول خبر التكريم من مجرد سطر عابر في صفحات الأخبار إلى سؤال أكبر: ماذا يحدث عندما تلتقي العدالة بالفن؟ وماذا يعني أن يكرّم القضاة ممثلًا لأنه أعاد سرد جزء من حكاية وطن؟ ربما الإجابة الأقرب هي أن المجتمعات التي تعرف كيف تحتفي بالفن الجاد هي المجتمعات التي تدرك أن معاركها لا تُخاض فقط في ساحات القتال أو قاعات المحاكم، بل أيضًا في القصص التي ترويها عن نفسها، وفي الصور التي تتركها للأجيال القادمة، وفي الذاكرة التي لا يريد أحد أن يراها تُمحى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock