في خريف الأرواح، لا يعود البريق معيارًا، ولا الجمال الظاهري شفاعة، ولا الأحاديث المعسولة ضمانًا لبقاء أحد.
هو الفصل الذي تُغربل فيه العلاقات، وتُختبر فيه القلوب، فلا يبقى في محيطك إلا أولئك الذين أحبّوك بلا زينة… الذين رأوا فيك الجذر لا الزهر، الأصل لا القشرة، العمق لا الواجهة.
“إذا المرءُ لا يرعاكَ إلا تكلُّفًا… فدَعهُ ولا تُكثِرْ عليه التأسُّفا”
— الإمام الشافعي
أما أولئك الذين مرّوا بك كما تُزهَر الحقول بين ربيع وآخر، فقد أغرتهم بهجة المواسم، ودوّختهم رائحة الزهر، فاستأنسوا بجمالك المؤقت دون أن يكلّفوا أنفسهم عناء الغرس في ترابك، أو السقيا في أوقات العطش، أو الحضور في ساعات الذبول.
هؤلاء العابرون ما عرفوا للثبات طعمًا، ولا للإخلاص معنى… يسافرون من حياة إلى أخرى، كما تسافر الفراشات بين الأزهار، بلا جذور، بلا نوايا، بلا انتماء.
“كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها”
(النازعات: 46)
يمضون، يلوّحون بالضحكات، يخلّفون خلفهم آثار عبور خفيف، يظنون أنه سيبقى… لكن الأيام لا تحفظ العابرين، والقلوب لا تشتاق لمن لم يسكنها حقًا.
حتى يجيء يومٌ، يدركون فيه – بعد فوات الربيع – أنهم لم يزرعوا يومًا جذورًا في أي قلب… ولم يؤسسوا لهم وطنًا في أي روح… لم يتركوا خلفهم ذكرى تُحزن لفراقهم، أو حنينًا يُسأل عنهم.
“دع الأيام تفعل ما تشاءُ… وطب نفسًا إذا حكمَ القضاءُ”
— الإمام الشافعي
وتكون قسوة النهاية آنذاك، ليست عقابًا… بل عدلًا إلهيًّا دقيقًا، يكشف ما زرعته أيديهم بسطحية، وما سكبوه من مشاعر باردة، وما مشَوا فيه من دروب خالية من الوفاء.
فيا من تمر بخريفك الآن… لا تحزن.
فقد يكون هذا الفصل هو هدية السماء إليك، لتتخفّف من أثقال العلاقات الزائفة، ولتُميّز الخيط الأبيض من الأسود في نسيج محبتك ومحبيك.
هو زمن التجريد، حين تذوب الأقنعة وتبقى الوجوه الحقيقية فقط… زمن التصالح مع الذات، حين تُدرك أنك لم تُخلق لتُعجب الجميع، بل لتبقى نقيًّا في عين من يُبصِر الروح قبل الجسد.