أخبار مصر

دار الإفتاء المصرية تدعم تفعيل آليات التعاون العلمي ومخرجات المؤتمر

علاء حمدي

في كلمة فضيلة أ.د. نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، التي ألقاها نيابة عنه فضيلة الدكتور علي عمر الفاروق، رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء المصرية، بمؤتمر «التواصل المعرفي بين المشارقة والمغاربة وأثره في العلوم الإنسانية»، الذي نظمته كلية اللغة العربية جامعة الأزهر بأسيوط أكد فضيلته أهمية هذا اللقاء العلمي الذي يمثل منصة رصينة لتعزيز الوعي بقيمة التواصل المعرفي في بناء الحضارات وتبادل الخبرات الإنسانية، ناقلًا تحيات فضيلة مفتي الجمهورية وتمنياته لهذا المؤتمر أن يُكتب له التوفيق في تحقيق الهدف الذي عقد لأجله.
وأوضح فضيلة مفتي الجمهورية، على لسان رئيس القطاع الشرعي بدار الإفتاء، أن موضوع المؤتمر يُعَدُّ من القضايا المحورية التي تُجَلِّي القيم الإنسانية والحضارية التي دعا إليها الإسلام، وجسَّدها المسلمون في واقعهم التاريخي، مبينًا أن التواصل المعرفي يمثل إحدى الركائز الأساسية في عمران الإنسان، ومن أهم الأسس التي تنتظم بها حركة الحضارة؛ إذ يفتح أمام العقول آفاق التلاقي والتكامل، وينقل المعرفة من ضيق الفرد إلى سَعة الجماعة، بما يثمر آثارًا علمية ممتدة عبر الأزمنة والأمكنة.
وأوضح أن هذا المفهوم متجذر في مقصد التعارف الذي قرره القرآن الكريم، وهو مقصد لا يقف عند حدود التلاقي الشكلي بين الأمم والشعوب، وإنما يتجاوز ذلك إلى معرفة واعية بالآخر تؤدي إلى التكامل والوحدة الإنسانية، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]، مؤكدًا أن التواصل المعرفي يمثل ركيزة أساسية في بناء الأمة، حيث تتلاقى العقول وتتآزر الخبرات، فينشأ عن ذلك عمران حضاري ممتد يعزز الاستقرار ويرسخ ثقافة التسامح والتعايش.
وأشار إلى أن السُّنة النبوية الشريفة جاءت مؤكدة هذا المعنى، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها»، وهو ما يعكس انفتاح الحضارة الإسلامية على مختلف مصادر المعرفة النافعة، واستعدادها الدائم للتفاعل الإيجابي مع الخبرات الإنسانية.
وأضاف أن المسلمين في المشرق والمغرب حرصوا على مر العصور على توثيق هذا التواصل المعرفي بما يعزز مفهوم الأمة الواحدة ويسهم في تحقيق التقدم والازدهار، مبينًا أن هذا التواصل لم يكن مجرد فكرة نظرية، بل كان واقعًا تاريخيًّا حيًّا عاشته الأمة الإسلامية عبر عصورها المختلفة، مبينًا أن هذا البعد التاريخي للتواصل المعرفي تجلّى بوضوح في كتابات العلماء والمؤرخين الذين وثقوا حركة الانتقال العلمي بين الأقطار، وتتبعوا مسارات العلماء، وسجلوا ما دار بينهم من أخذٍ وعطاءٍ علمي؛ حتى بدت كتب الرحلات وكأنها خرائط حية لحركة الفكر في الأمة، لافتًا إلى إسهامات عدد من العلماء، مثل عبد الرحمن بن خلدون وغيره، ممن جسدت أعمالهم عمق هذا التفاعل المعرفي بين أقاليم العالم الإسلامي.
وبين فضيلته أن التاريخ الإسلامي جسَّد هذا التواصل في صور عملية متعددة، كان من أبرزها الرحلة العلمية التي لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت انتقالًا معرفيًّا يفتح أمام العالم آفاق مدارس علمية متعددة، يراجع فيها ما عنده من معارف، ويضيف إلى ما تلقاه من علوم، الأمر الذي أسهم في نشوء شبكة علمية متكاملة تقوم على الثقة العلمية والسعي المشترك إلى الحقيقة، حتى غدا العلم جهدًا جماعيًّا يعبر عن الأمة بأسرها.
وفي سياق متصل، ذكر فضيلته أن مصر تمثل أنموذجًا بارزًا لهذا الامتداد المعرفي بين المشرق والمغرب؛ فقد تهيأت لها من الخصائص الجغرافية ما جعلها محطة رئيسة في طرق الرحلة العلمية، حيث كانت الطرق البرية والبحرية تؤدي إليها، ومن خلالها تتفرع المسارات إلى أقطار متعددة، مشيرًا إلى أن مدينتي القاهرة والإسكندرية كانتا مقصدًا للعلماء وطلبة العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، حيث تلاقحت المعارف وتبادلت الخبرات العلمية.
وأضاف أن التواصل المعرفي بين أقطار العالم الإسلامي تجلّى كذلك في حركة الرحلات العلمية الواسعة التي ربطت بين القيروان والأندلس والحجاز وغيرها من المراكز العلمية الكبرى، حيث تنقل العلماء وطلاب العلم بينها طلبًا للرواية والإجازة، الأمر الذي أسهم في نشوء شبكة علمية متكاملة قائمة على نظام الإسناد والإجازات، وهو ما عزز وحدة المرجعية العلمية بين المشرق والمغرب ورسخ مبدأ التلقي المتبادل داخل الأمة.
وأشار إلى أن الأزهر الشريف برز بوصفه نموذجًا فريدًا للمؤسسة العلمية الجامعة التي استطاعت أن تجمع بين تنوع المشارب ووحدة المقصد، فاحتضن طلاب العلم من مختلف الأقطار، وربط بينهم برباط العلم والمعرفة، متجاوزًا حدود المكان والزمان، حتى غدا حلقة وصل حقيقية بين المشرق والمغرب، حيث تتلاقى المعارف وتتداخل الأسانيد ويتشكل وعي علمي مشترك.
وبيَّن كيف أن الأزهر ظل عبر تاريخه مقصدًا علميًّا بارزًا للعلماء وطلبة العلم من مختلف أنحاء العالم الإسلامي؛ فقد ضم بين شيوخه علماء من بلاد المغرب، كما كان من شيوخ جامع الزيتونة وغيره من المؤسسات العلمية علماء أزهريون تلقوا علومهم في مصر وبين جنبات الأزهر الشريف.
وقال فضيلته إن أثر هذا التواصل المعرفي تجلى كذلك في المجال الحضاري، حيث تمثل العمارة الإسلامية شاهدًا حيًّا على هذا التفاعل الخلاق؛ فقد نقل المشارقة خصوصياتهم المعمارية إلى بلاد المغرب، وتطورت هذه النماذج حتى بلغت ذروتها الحضارية في الأندلس، مشيرًا إلى نماذج معمارية بارزة مثل قصر الحمراء الذي يعكس امتزاج المؤثرات المشرقية بالخصوصيات المحلية في صياغة حضارية متفردة، كما أشار إلى دور عبد الرحمن الداخل في نقل الخصوصيات المعمارية من المشرق إلى الأندلس، بما أسهم في نشوء نماذج عمرانية متميزة.
وأضاف أن هذا التواصل أسهم في إثراء العلوم الطبية والصيدلية، مستشهدًا بإسهامات الطبيب إسحاق بن عمران الذي قدم من بغداد إلى القيروان، وأسهم بعلمه في تطوير المعرفة الطبية وتأليف عدد من المصنفات العلمية التي أفادت المجتمعات المغربية.
وفي ختام كلمته، شدد فضيلته على أن العالم المعاصر في أمسِّ الحاجة إلى استعادة هذا النموذج الحضاري من التواصل المعرفي والثقافي بين المشارقة والمغاربة، بما يسهم في مواجهة التحديات المشتركة وتطوير العلوم الإسلامية والإنسانية وتحقيق النفع للمجتمعات، معربًا عن تطلعه إلى أن يسهم هذا المؤتمر في بلورة آليات عملية وبرامج علمية جادة تعزز هذا التواصل.
كما صرَّح باستعداد دار الإفتاء المصرية وجاهزيتها الكاملة للتعاون مع المؤسسات العلمية المختلفة في تنفيذ هذه البرامج وَفْقَ الأطر المنهجية التي ستنبثق عن هذا المؤتمر، بما يسهم في خدمة قضايا الأمة وتعزيز مسيرتها الحضارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock