
لقد جعل الله سبحانه وتعالي التعمير موجبا للتذكر والإستبصار، وميدانا للإيمان والإستذكار، وأقام العمر الذي هو الزمن يحياه الإنسان حجّة على الإنسان، كما أقام وجود الرسالة والنذارة حجّة عليه أيضا، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ” ما ندمت على شيء ندامتي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي” وقال الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه “إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما” وقال الفضيل بن عياض لرجل “كم أتت عليك؟ قال ستون سنة، قال فأنت منذ ستين سنة، تسير إلى ربك، توشك أن تبلغ، فقال الرجل يا أبا علي، إنا لله وإنا إليه راجعون، قال له الفضيل تعلم ما تقول فقال الرجل قلت “إنا لله وإنا إليه راجعون” قال الفضيل تعلم ما تفسيره؟ قال الرجل فسره لنا يا أبا علي، قال من علم أنه عبد الله وأنه إليه راجع، فليعلم بأنه موقوف.
ومن علم بأنه موقوف، فليعلم بأنه مسئول، ومن علم أنه مسؤول، فليعد للسؤال جوابا، فقال الرجل فما الحيلة قال يسيرة، قال ما هي قال تحسن فيما بقي، يغفر لك ما مضى، فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي” وإعلموا أن العبادة لله عز وجل وحده لا شريك له، هي أعظم الواجبات وأعظم الحقوق وأعظم الأخلاق أن تعبده وحده أينما كنت في الشدة والرخاء في الصحة والمرض في السفر والإقامة حتى تلقى ربك لا تصل إلا له ولا تدع إلا إياه، ولا تستغيث إلا به ولا تذبح إلا له، ولا تنذر إلا له، ولا تتصدق إلا له، تقصد بأعمالك كلها وجهه سبحانه وتعالى دون كل من سواه، لأن العبادات كلها يجب أن تكون لله وحده، وكل العبادات التي أمر الله بها وشرعها لنا يجب أن تكون لله وحده، فلا يستغاث بالأموات ولا ينذر لهم، ولا يطلب منهم النصر على الأعداء ولا شفاء المرضى.
ولا يطلب من الأنبياء ولا من الكواكب ولا من الملائكة ولا من الجن ولا من غير ذلك، وكل هذا يختص بالله وحده سبحانه فهو الذي يدعى ويرجى ويسأل سبحانه وتعالى، أما المخلوق الحي، فلا بأس أن يسأل فيما يقدر عليه فيما يجيزه شرع الله المطهر بينك وبينه، كما قال الله في قصة نبيه موسى عليه السلام ” فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه” وقال تعالى ” فخرج منها خائف يترقب” أى خرج من مصر خائفا يترقب من شر الفراعنة وهذا من الأسباب الحسية التي شرعها الله لعباده، وهكذا قول الله سبحانه وتعالى” فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه” والمعنى أنه استغاثه الإسرائيلي على القبطي فأغاثه نبى الله موسى عليه السلام لأنه حي موجود قادر على المطلوب، فإذا قلت لصاحبك يا فلان أعني على إصلاح سيارتي، وهو حاضر يسمعك فلا بأس بذلك فليس هذا من العبادة.
وهكذا لو قلت يا أخي أقرضني كذا وكذا من المال أو ساعدني على بناء هذا البيت وهو من خواص إخوانك القادرين تطلب منه المساعدة في شيء يقدر عليه، فهذا ليس من العبادة أيضا ولا بأس به في الحدود الشرعية، أما أن تأتي لميت فتقول يا فلان أو يا سيدي فلان انصرني أو اشف مريضي أو نحو ذلك فهذا شرك أكبر، أو تطلب من الجن أن يغيثوك ويمنعوك من عدوك، أو تطلب من الملائكة أو من الأنبياء الذين قد ماتوا فهذا من الشرك الأكبر، أو تدعو الشمس أو القمر أو النجوم وتسألها النصر أو الغوث على الأعداء وما أشبه ذلك فكل هذا من الشرك الأكبر المخالف لما بينه الله تعالى في قوله سبحانه وتعالى ” إياك نعبد وإياك نستعين” وهذا هو توحيد الله تعالى وهذا هو الخلق العظيم خلق الرسل وأتباعهم توحيد الله والإخلاص له دون كل ما سواه سبحانه وتعالى.



