
تمكّن برنامج دولة التلاوة من تحقيق نجاح لافت، لم يكن مجرد صدى إعلامي عابر، بل حالة ثقافية وروحية أعادت إلى الأذهان مكانة مصر التاريخية كمنارة للقرّاء وقلعة للقرآن الكريم. البرنامج لمس وجدان الجمهور لأنه أعاد تقديم القارئ المصرى بصورة تليق بتاريخه، وبأسلوب عميق وراقٍ يبرز قيمة الصوت المصرى فى خدمة كتاب الله.
هذا النجاح لم يأتِ مصادفة، بل جاء فى إطار توجه عام تتبناه القيادة السياسية لتطوير الأداء الإعلامى والدراما المصرية بما يرسّخ الهوية الوطنية ويحافظ على الشخصية الثقافية المصرية فى مواجهة موجات التشويه والسطحية التى سيطرت على جزء من المحتوى فى السنوات الماضية.
الرؤية الجديدة تستند إلى تقديم محتوى هادف يجمع بين المتعة والفائدة، ويرسّخ منظومة قيم تتماشى مع المجتمع المصرى وأخلاقه وتاريخه.
ورغم النجاح الواضح للبرنامج، لم يخلُ المشهد من انتقادات وهجوم من بعض الأصوات، التى رأت أن البرنامج يمثل «عودة للوراء» أو أنه يقدّم محتوى “وعظياً” لا يتناسب مع العصر ورأى البعض انه دعوة للتصوف واصباغ الصبغة الصوفية ونشرها ، البعض الآخر هاجم التجربة خوفاً من أن تحل البرامج الهادفة محل المحتوى السطحى الذى اعتاد عليه الجمهور، أو لأن البرنامج أعاد تسليط الضوء على سلطة القيمة والثقافة فى مواجهة التفاهة المعلّبة التى انتشرت عبر منصات كثيرة.
الحقيقة أن هذا الهجوم ، ليس موجهاً ضد البرنامج ذاته بقدر ما هو اعتراض غير معلن على التوجّه العام للدولة نحو إعادة ضبط البوصلة الثقافية والإعلامية ، فـدولة التلاوة مثال واضح على أن المحتوى الجاد يمكن أن يكون جماهيرياً، وأن الهوية المصرية ليست عبئاً على الفن، بل كنزاً يمكن البناء عليه.
اليوم تتحرك الدولة بوعى لإعادة الدراما المصرية إلى مكانتها الطبيعية عن طريق أعمال تعكس قيم المجتمع، وتحكى حكاياته، وتقدّم شخصيات حقيقية من لحم ودم، بعيداً عن التشويه والعشوائية.
الاتجاه نحو برامج هادفة، ودراما مستمدة من التراث المصرى، ليس عودة للماضى بل تأسيس لمستقبل أكثر توازناً، يجمع بين الأصالة والمعاصرة دون إفراط أو تفريط.
وأرى أن نجاح دولة التلاوة يجب أن يكون بداية لسلسلة من التجارب القادرة على معالجة تشوهات المحتوى وتقديم بدائل قوية وراقية للجمهور. فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى الترفيه، بل إلى محتوى يصنع وعياً، ويعيد الاعتزاز بالهوية، ويحفظ للمصريين مساحتهم الأصيلة وسط عالم سريع لا يعترف إلا بمن يملك ثقافته ويدافع عنها.
فى النهاية، ما يحدث اليوم ليس مجرد برنامج ناجح، بل خطوة حقيقية فى مشروع كبير: بناء إعلام ودراما على مقاس الثقافة المصرية لا على مقاس السوق.
وهو توجه يجب دعمه وتطويره، لأنه يعيد لمصر ريادتها الناعمة حيث يجب أن تكون.



