
في زمن ازدحمت فيه الشاشات بالضجيج، جاء برنامج “دولة التلاوة” كاستثناء لافت، ليؤكد أن الإعلام حين يحترم عقل الناس ووجدانهم، يجد طريقه سريعًا إلى القلوب.
لم يكن نجاح البرنامج مجرد صدفة أو حالة عابرة، بل نتيجة رؤية واعية تسعى لإعادة الاعتبار لقيمة الكلمة، وقدسية الصوت، ومكانة التلاوة في وجدان المجتمع المصري.
استطاع “دولة التلاوة” أن يفتح أبوابه أمام مواهب حقيقية في تلاوة القرآن الكريم من مختلف الأعمار، دون تمييز بين صغير وكبير. أطفال يمتلكون أصواتًا ندية تبشر بجيل جديد من القراء، وشباب أعادوا للأذهان مدارس التلاوة العريقة، وشيوخ يحملون خبرة السنين وروح الأصالة. هذا التنوع منح البرنامج مصداقية كبيرة، وحوّله إلى منصة حقيقية لاكتشاف المواهب وليس مجرد عرض تلفزيوني عابر.
أعاد البرنامج التأكيد على أن التلاوة المصرية ليست مجرد أداء صوتي، بل مدرسة متكاملة لها أصولها ومقاماتها وروحها الخاصة.
مدرسة أنجبت أسماء خالدة ما زالت تتردد أصواتها في البيوت والمساجد ، من خلال لجنة تحكيم واعية ومحتوى يحترم هذا التراث، نجح “دولة التلاوة” في ربط الأجيال الجديدة بجذورهم الثقافية والدينية، بعيدًا عن التشويه أو التسطيح.
نجاح البرنامج يندرج ضمن توجه أوسع للدولة نحو دعم البرامج الهادفة التي تبني ولا تهدم، وتغذي الوعي بدلًا من تفريغه وهو توجه يعكس إدراكًا متزايدًا لدور الإعلام في تشكيل الوعي العام، خاصة في ظل تحديات فكرية وثقافية متسارعة. فالإعلام لم يعد ترفًا، بل أحد خطوط الدفاع الأساسية عن هوية المجتمع.
يمثل «دولة التلاوة» نموذجًا عمليًا لإعادة صياغة المشهد الإعلامي المصري بما يتوافق مع ثقافة المجتمع وقيمه. مشهد لا يعادي الترفيه، لكنه يوازن بين المتعة والرسالة، بين الشكل والمضمون وهو ما يبعث برسالة واضحة مفادها أن النجاح الجماهيري لا يتعارض مع الاحترام والعمق، بل قد يكون نتاجًا لهما.
تجاوز تأثير البرنامج حدود البث التلفزيوني، ليخلق حالة مجتمعية إيجابية أعادت الاهتمام بحفظ القرآن وتعلم أحكام التلاوة، وشجعت الأسر على اكتشاف مواهب أبنائها وتنميتها.
كما أعاد الثقة في قدرة الإعلام الوطني على تقديم محتوى راقٍ ينافس ويؤثر.
إن نجاح برنامج “دولة التلاوة” ليس مجرد نجاح لبرنامج ديني، بل هو انتصار لفكرة الإعلام المسؤول، ودليل على أن العودة إلى الجذور يمكن أن تكون طريقًا للمستقبل.
هو رسالة بأن مصر، بتاريخها وثقافتها، قادرة على تقديم نموذج إعلامي يعبر عنها ويليق بها.



