
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما مزيدا، ثم اما بعد، لقد أمرنا الإسلام بتجديد الأفكار حسب الظروف التي تستجد علينا علي مر الأزمنة، ومعلوم أن التجديد يحتاج إلى إعمال عقل، وتفهم، وتدبر للنصوص وغيرها ومعلوم أنه يكون بعيدا عن المسلمات، والمجمع عليه، بعيدا عن المعلوم من الدين بالضرورة، بعيدا عما ثبت بدليل قطعي الدلالة، قطعي الثبوت، مع الإحترام الكامل لإجتهاد العلماء السابقين، والإعتراف بالرأي والرأي الأخر، وأن ما صلح في زمن ما بظروف ما قد لا يصلح في الزمان الأخر مع تغير ظروفه وأحواله، وكما أن الجمود الفكري يؤدي إلى تأخر الأمة عن ركب الحضارة.
فوتيرة الحياة تتسارع في كافة المجالات العلمية والفكرية والتكنولوجية والسياسية والإقتصادية والعالم تحيط به تكتلات ومتغيرات حضارية كثيرة، وهذا مما يحتم على العلماء إعمال العقل، وإنعام النظر في النصوص الشرعية لمواكبة تلك التكتلات والمتغيرات الحضارية، ومسايرة ركب التقدم الحضاري، وأيضا الجمود الفكري ينافي عالمية الإسلامية وإستدامته، فقد قدر الله تعالي للرسالة المحمدية أن تكون عالمية لكل الناس، وقدّر لها أن تكون خاتمة الرسالات، وأن تستمر إلى يوم الدين، وبدون تجديد فكري وإعمال عقل وإجتهاد، لن تصلح الرسالة الإسلامية لذلك لأن الحوادث والمستجدات كثيرة، والنصوص محدودة، وهى مجرد قواعد كلية، وليست تفصيلية، فتحتاج تلك الحوادث والمستجدات إلى تكييف فقهي، وبيان لحكمها الشرعي.
وهذا لن يتأتى إلا بإعمال العقل في النصوص الشرعية، وإستنباط أحكامها منها بالأدلة والأدوات التشريعية، وكما أن الجمود الفكري ينافي ما فتحه النبي صلى الله عليه وسلم من باب الإجتهاد، حيث قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حينما بعثه واليا وقاضيا إلى اليمن ” كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟” قال أقضي بكتاب الله، قال ” فإن لم تجد في كتاب الله ” قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ” فإن لم تجد في سنة رسول الله صلي الله عليه ولا كتاب الله “؟ قال أجتهد رأيي، ولا آلو أي ولا أقصر، فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره، وقال ” والحمد لله الذي وفق رسول، رسول الله لما يرضي رسول الله ” رواه أبو داود، ومعلوم أن الإجتهاد إعمال عقل في المقام الأول، وكما أن الجمود الفكري يعسر على الناس أمر دينهم، ويدخل المشقة عليهم، ويوقعهم في الحرج، فالحق تبارك وتعالى يقول ” وما جعل عليكم عليكم في الدين من حرج ”
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجّه في رأسه، ثم احتلم فسأل أصحابه فقال هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء فاغتسل فمات، فلما قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك فقال ” قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء لعي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب علي جرفة خرقة، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسدة ” رواه أبو داود، وقد رأينا في هذا العصر من يتمسك بإخراج زكاة الفطر قوتا وحبّا، ويلزم الناس شرائهما ويمنعهم من إخراجها نقودا، والأمثلة والنماذج كثيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله العي العظيم، فاللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء، وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، اللهمّ آمين.



