دين ومجتمع

ذكرى رحلة الاسراء والمعراج

بقلم / شيماء إبراهيم

رحلة ” الإسراء والمعراج ” والمسجد الأقصى، أعظم رحلة بل وأعظم معجزة على مر التاريخ، كيف كانت وما السبب في حدوثها؟، ما الذي مرَّ به رسولنا الكريم ﷺ وكيف يُمكِن استحضار اليقين في أشد اللحظات ظُلمة وبأس
بسم الله الرحمن الرحيم ” سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ” صدق الله العظيم
قبل التطرق إلى الرحلة وتفاصيلها يتوجب أولًا ذِكر حقبتها ، ففي تلك الفترة كانت دعوة الرسول ﷺ ما زالت في بدايتها، ينعته مُشركون قريش بأبشع وسائل الوصف مثل، ساحر، مجنون، 00000إلخ إلخ، وأيضًا كان عام الحزن ، ففيه توفى الله عم الرسول ﷺ أبو طالب الذي كان حِماه وسد منيع أمام بطش قريش وأهلها ، ثم وبعد فترة وجيزة زوجة الرسول ﷺ الأولى السيدة خديجة، فما إن حدث ذلك استباح هؤلاء القوم الهجوم على الرسول ﷺ وتضييق الخناق عليه فاشتد الكرب والضيق، لم تكتفِ تلك الفترة بذلك فقط وأنَّما حدث أمرٌ جللًا آخر ألا وهو حادثة ” الطائف” ، تلك الحادثة التى بدأت عندما أراد الرسول ﷺ بأن يخرج بدعوته الى الله خارج حدود قريش ، عسى أن يجد خارجها قلوبًا خاشعة ، واتَّجه نحو قرية الطائف ، ولكنه فوجئ بضلال أهلها بل وأفعال دنيئة ، مثل تسليط القوم عليه وقذف الرسول ﷺ بالحجارة والسباب…، نعم كل ذلك يا أصدقاء عانى منه الرسول ﷺ في سبيل الدعوة والإسلام الذي تناساه بعضنا تاركين سنة نبينا الكريم ، ولذلك ومع تراكم تلك الأمور ، ضاق صدر النبي ﷺ كثيرًا ، واستمر الحال على ذلك أيَّام حتى جاءت رحمات الله وسط الضيق والتي بشرت عن بدأ رحلة هي الأهم على مر التاريخ ، ففي إحدى الليالي وبعد انتهاء الرسول ﷺ من صلاة العشاء اتجه إلى بيت أم هانى ، وبينما الرسول ﷺ مستلقٍ يتحضر للنوم رأى مشهدًا مهيبًا وهو نزول سيدنا جبريل ملاك الوحي عليه مُخبرًا إيَّاه بالتحرك نحو منطقة قريبة من الكعبة ، وبالفعل توجه الرسول ﷺ معه إليها ، وهناك تمَّت تنقية قلب الرسول ﷺ وغسله بماء زمزم ، وكأنَّها طقوس كُبرى من أجل حدثٍ عظيم لا يعلمه الرسول ﷺ ، وما هي إلَّا دقائق حتى رأى الرسول ﷺ دابة عجيبة الشكل لم يمر به من قبل، وكان يُدعى ” البراق ” دابة الأنبياء، هيأته كالحصان وحجمه أكبر من الحِمار وأقل من البغل ، ولكن العجيب به هو لونه الأبيض المشع وأجنحته الكبيرة!.
و من صفات البُراق هو سرعته التي تخترق الزمن ، فقيل بأنه يرى خطوته التالية على مد بصره وأيضًا بأنه سريع الاهتزاز وهذا ما وجده منه الرسول ﷺ ، فعندما طلب منه جبريل عليه السلام بأن يركب البُراق استَعْصى البُراقُ فلم يُمكِّنِ النَّبيَّ ﷺ مِن رُكوبِه اهتز من فوقه إلى آن حادثه جبريلُ عليه السَّلامُ قائلًا للبُراقِ: “أبِمُحمَّدٍ تَفعَلُ هذا؟”، أي: يُنكِرُ على البُراقِ ما يَفعَلُه، ويُبيِّنُ له قدْرَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم، قائلًا: “فما رَكِبك أحدٌ أكرَمَ على اللهِ مِنه”، أي: إنَّه أعلى البشَرِ قدرًا عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ، قال النَّبيُّ ﷺ : “فارْفَضَّ عرَقًا”، أي: انصَبَّ عرَقُ البراقِ منه إجلالًا وإكبارًا لِمَقامِ النَّبيِّ ﷺ ، فهدأ وثبت وانطلق به في رحلة الإسراء نحو قبلة المسلمين حينذاك إلى المسجد الأقصى برفقة جبريل عليه السلام ، وعند ما وصل الرسول ﷺ إلى المسجد الأقصى قام بربط البُراق عند حائط شهير هناك يُدعى وحتى ذلك الوقت بإسم، ” حائط البُراق ” وقيل بأنَّ جميع الأنبياء الذين ركبوه قام بربط البُراق بجانبه، وبعدها رآى الرسول ﷺ جميع الأنبياء والرُسل يُصلون داخل حيِّز المسجد الأقصى ، 000 استحضر معي المشهد العظيم للحظات واعلم قيمة وقدسية الأقصى000 رآى الرسول ﷺ أنبياء من قبله مثل سيدنا إبراهيم الخليل والذي قال عنه بأنه يشبهه إلى حد كبير، سيدنا موسى وهو رجل طويل جعدا كأنه من رجال شنوءة وسيدنا عيسى وقد شبهه بأحد الصحابة في شكله وهو ” عروة بن مسعود الثقفي “، ليتم تقديم الرسول ﷺ عليهم أجميعن ليأم بهم الصلاة على أرض المسجد الأقصى وما أعظم ذلك الشرف له ولنا كأمته المُسلمة أن يكون رسولنا الكريم ﷺ هو المُقدم على جميع الأنبياء ، وبالفعل بدأت الصلاة الأعظم في التاريخ، الرسول ﷺ الإمام ومن خلفه الأنبياء، أن الصلاة في ذلك الوقت لم تكن فرضت كما عليها الآن ، فكان الصحابة يعلمون فقط مبادئها من ركوع وسجود ولم تكن بشكلها الحالي وعددها الخمسة صلوات على مدار اليوم، فبعد الانتهاء من الصلاة غادر الرسول ﷺ حدود المسجد الأقصى ليجد جبريل عليه السلام في انتظاره وهو يُمسِك بين يديه إنائين أحدهما به حليب والآخر به خمر ليختار الرسول ﷺ إناء الحليب ويشرب منه فيقول جبريل، هُديت إلى الفطرة، كناية عن اختيار الرسول الصائب للحليب النافع والبُعد عن الخمر وما يغويه في العقل وانعكاسه على أمته، لم يكن الخمر محرماً قبل ذلك الوقت ، وها قد جاء وقت المفاجآة الثانية ألا وهي إخبار جبريل للرسول ﷺ بأنَّهما سيعرجون سويًا من أرض المسجد الأقصى إلى السماوات السبع حيث سيشهد الرسول ﷺ ما يتعجب له العقل وتعجز عن وصفه العين، رحلة الإسراء انتهت وها هي المعراج تبدأ… انطلق الرسول ﷺ مع جبريل نحو السماء الأولى أو بالأحرى نحو بوابتها وعليها جُندٌ أقوياء من الملائكة، سلَّم عليهم جبريل وأخبرهم بأن معه مُحمد ﷺ وسألوه بأنه أوقد بُعِث؟ فقال نعم ليعبر مع الرسول ﷺ بوابة السماء الأولى فيرى من بعدها رجل تُرفع له الأرواح من الأرض عن يمينه ويساره فيبتسم الرجل للأراوح التي على يمينه فهي مسواها الجنان وأمَّا التي على يساره فيحزن لأنها ذاهبة إلى النار وعندما سأل الرسول ﷺ عن ذلك الرجل أخبره جبريل بأنه سيدنا آدم أبو البشر فسلَّم الرسول ﷺ عليه ليرد سيدنا آدم” أهلا بالإبن الصالح والنبي الصالح ، ليعرج بعد ذلك الرسول ﷺ إلى السماء الثانية وكما ذكرت في الأولى كان لها بوابة عليها جُند من الملائكة سألوا عمَّن يصحبه جبريل معه ثم عبرا البوابة الثانية والتي عليها جند من الملائكة أيضا وبعد العبور رأى الرسول ﷺ النبي عيسى عليه السلام والنبي يحيى عليه السلام وسلَّم عليهما كما فعل من قبل، وقالا: أهلاً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ليعرج بعدها الرسول إلى السماء الثالثة…، كما ذكرت مروا بالبوابة الثالثة والملائكة ليرى الرسول ﷺ رجلًا امتلك نصف جمال الدُنيا في وجهه فسأل عنه الرسول جبريل ليُخبره بأنَّه يوسف عليه السلام بن يعقوب ، فسلَّم عليه الرسول ﷺ ليعرج إلى السماء الرابعة وهناك رآى النبي إدريس عليه السلام وقد حق فيه قول الله، “ورفعناه مكانا عليا ” فكما نعلم أن سيدنا إدريس تم رفعه إلى السماء مثل سيدنا عيسى عليهما السلام ، وسلَّم عليه الرسول ﷺ ليعرج إلى السماء الخامسة وداخلها رآى رجل ذو لحية بيضاء فسأل عنه الرسول ﷺ ليقول جبريل له، بأنَّه الرجل الذي أحبه قومه ” هارون بن عمران ” ليُسلِّم عليه الرسول ﷺ ليعرج بعدها إلى السماء السادسة وفوقها كان يوجد رسول الله موسى عليه السلام ويُسِّلم الرسول عليه وبعدها ينطلق الرسول ﷺ نحو السماء الأخيرة، السماء السابعة وفوقها رآى رجلًا مُتكأً على بيتٍ يُشبه الكعبة والبيت إسمه،” البيت المعمور ” وهناك عَلِمَ الرسول ﷺ بأنَّ البيت المعمور يقع فوق السماء السابعة وفوق الكعبة التي على الأرض مُباشرةً، ” الله أكبر ” وأنَّ هذا البيت يأتيه سبعون ألفًا من الملائكة كل يوم يطوفون به ثم يغادرون ولا يرجعون ثانيةً ليتكرر الأمر مع نفس العدد في اليوم الذي يليه ، فلكم أن تتخيلوا كم عدد الملائكة المهول من ذلك الوصف فقط!!! سأل الرسول ﷺ هنا عن ذلك الرجل المُتكأ ليقول له جبريل بأنه إبراهيم عليه السلام فيُسلِّم عليه الرسول ﷺ وكانت تلك هي نهاية السماوات السبعة وما يليها أو فوقها هو منطقة عظيمة تُسمى ” سدرة المُنتهى ” وعندها يوجد عرش الله عز وجل، عرش مالك المُلك سيد الأراضين والسماوات ليعرج الرسول ﷺ إلى تلك المنطقة ولكن هذه المرة كان وحيدًا دون جبريل عليه السلام لأن هذه هي آخر نقطة يقدر جبريل على الوصول إليها لدرجة أن الرسول ﷺ وصفه بكلمتين في هذا المشهد المهيب ” الحِلس البالي ” ومعناه الكساء الرقيق أو الثوب الممزق وذلك بالطبع نتيجة لخوف جبريل عليه السلام من المولى عز وجل وتعظيمه له ، الرجل الوحيد الذي وصل إلى تلك البُقعة المُباركة ” سدرة المنتهى” وما بعدها هو الرسول محمد ﷺ، ثم عرج الرسول ﷺ إلى سدرة المنتهى فوق السبع سماوات وهناك رآى الجنة وكان من فوقها عرش الرحمن وكان بين الرسول وبين عرش الله عز وجل فقط حجاب من نور عظيم الشأن يحول بين الله وعبده الكريم، وهنا كلَّم الله رسولنا الكريم وخاطبه الرسول ﷺ دون أي ملك وسيط وفي تلك المنطقة المُباركة تم فرض الصلاة بتقسيماتها الحالية وكانت عدد الصلوات خمسين ليُغادر بعدها الرسول ﷺ سدرة المنتهى وينزل تدريجيًا إلى السماء السابعة حيث نبي الله إبراهيم ثم إلى السادسة حيث موسى عليه السلام وقبل أن يُكمِل أوقفه موسى قائلًا: ” ما أمرك ربك ؟ ” فقال الرسول ﷺ بأنه أمره بالصلاة فسأله موسى وكم عدد الصلوات؟ ليُجيب الرسول ﷺ بأنَّها خمسون فهنا استوقفه موسى عليه السلام وقال له: أمتك لن تقدر عليها، خمسون صلاة كثيرة وبدأ في الشرح له عن قومه بني إسرائيل وكيف عانى معهم من أجل الصلاة والإيمان بالطبع ثم أخبره بأن يرجع إلى ربه ويسأله التخفيف وبالفعل عرج الرسول مرة أُخرى إلى الله عند سدرة المُنتهى وطلب من الله التخفيف ليُنقصهم الله إلى أربعين صلاة ويتكرر الأمر بعد وصول الرسول ﷺ إلى السماء السادسة وبعد سؤال سيدنا موسى عن العدد ومعرفة أنَّهم أربعين أخبر الرسول ﷺ بأن يعود إلى الله للتخفيف وظلَّت تلك الدائرة وفي كل مرة يُنقص الله عشر صلوات وموسى يُرجع الرسول ﷺ إلى الله للتخفيف حتَّى وصلت عدد الصلوات إلى خمسة صلوات فقط، وهنا وعندما نزل الرسول إلى السماء السادسة وأخبر موسى بالعدد قال له بأن يرجع إلى الله مُجددًا للتخفيف فقال هنا الرسول ﷺ ، ” أنه يستحى من ربه فبعد ما كانت عدد الصلوات خمسين صارت خمسة ” بل وأكثر من ذلك ومن فضل الله على أمة محمد بأنَّه جعل أجر الصلوات الخمس ب خمسين صلاة وأيضًا الحسنة الواحدة بعشرة أمثالها.. وهنا نرى أيضًا مدى لُطف سيدنا موسى بنا و بأمة سيدنا محمد ﷺ فهو من أكثر الرُسل مُعاناة مع قومه وبالطبع هم ” بني إسرائيل ” .
انتهت رحلة المعراج أخيرًا ليعود الرسول مُحمد ﷺ إلى بيته، إلى فراشه وقد استغرقت رحلة مثل تلك بضع ساعاتٍ فقط و ذهب الرسول ﷺ ليلًا والناسُ نِيام وعاد ليلًا والناس أيضًا نِيام، فيا له من أمرٍ عظيم. بعد الاستيقاظ ومجيء الصباح خشي الرسول ﷺ إخبار قومه بما حدث معه فكيف سيصدقونه وهم يهاجموه في الأصل ولكنه أخبرهم ، وبالطبع لاقى الكثير من الاستهزاء والافتراء قائلين بأن البعير تأخذ شهراً ذهاباً وشهراً آخر إياباً فى رحلة بيت المقدس فكيف ذلك! وهنا ظهر ثبات سيدنا أبو بكر الذي وعندما أخبروه بما يقوله صاحبه، قال بأنه صادق فهو يصدقه في خبر السماء فبالتأكيد لن يكذبه في ذلك وصار الصديق ، وسبحان الله لم تطأ قدم الرسول ﷺ المسجد الأقصى من قبل ، لذلك ومع إخباره لقريش بأوصافه كاملة صعقوا من ذلك فكيف له المعرفة وثبت الله قلوب المؤمنين ، بل وتتذكرون القافلة التي رآها الرسول ﷺ في طريقه أخبرهم حينها بأن هنالك قافلة ستأتي خلال أيام وأعطاهم تفاصيلها وبالفعل حدث ذلك فياللعجب من قوم كافرين ازدادوا حقداً على رسولنا الكريم ﷺ فها هو يثبت لهم بشتى الطرق المعجزة التي حدثت معه وهم يكذبونه كما فعل قوم بني إسرائيل ، ومن بعد تلك الرحلة وما أصاب الرسول ﷺ من كرب قبلها تبدلت الأحوال فصارت نفسه أكثر إصراراً على الدعوة واتخاذ طرق مختلفة ، مثل انتظار حجاج البيت الحرام البعيدين عن مكة وإيصال الدعوة لهم ليبدأ شطر جديد وفصل هام في انتشار الإسلام داخل بقعة العرب فانظروا جيداً إلى رحمات الله التي شملت نبيه ورسوله وقتما حل البلاء والكرب.
اللهم اجعلنا من المحافظين على فرائضك، والمتمسكين بقرآنك، وارزقنا شفاعة نبيك يوم القيامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock