
يفتح مسلسل “رأس الأفعى” أحد أكثر الملفات تعقيدًا في تاريخ الجماعة الإرهابية، مسلطًا الضوء على الدور التخريبي الذي لعبه محمود عزت عقب فض اعتصام رابعة العدوية، وهي المرحلة التي شهدت تصاعدًا غير مسبوق في وتيرة العنف والتحريض ومحاولات إسقاط مؤسسات الدولة.
المسلسل لا يكتفي بالسرد الدرامي التقليدي، بل يتكئ على وقائع موثقة، ليعيد تركيب المشهد السياسي والأمني الذي أعقب أحداث أغسطس 2013، كاشفًا كيف تحولت قيادات الصف الأول إلى غرف عمليات سرية تدير مشهدًا قائمًا على الفوضى المنظمة. ويبرز العمل شخصية عزت باعتباره “العقل المدبر” الذي سعى لإعادة ترتيب أوراق الجماعة تحت الأرض، عبر شبكات اتصال مغلقة وخلايا نوعية، مستهدفًا إنهاك الدولة وإرباك الشارع.
لا يمكن قراءة “رأس الأفعى” بعيدًا عن مفهوم القوة الناعمة، فالدراما لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت أداة استراتيجية في تشكيل الوعي الجمعي.
وفي مواجهة سرديات موازية حاولت جماعة الإخوان تسويقها في الخارج، تأتي هذه الأعمال لتقدم رواية تستند إلى الداخل، إلى الوقائع، وإلى شهادات مرحلة دفعت فيها مصر ثمنًا باهظًا.
الجماعة سعت منذ فض الاعتصام إلى تصدير خطاب المظلومية، متجاهلة ما أعقب ذلك من موجات عنف استهدفت منشآت عامة، وأفراد شرطة وجيش، ومؤسسات خدمية. وهنا تتجلى أهمية الدراما في إعادة التوازن للرواية، وتفنيد ما تم تزييفه أو إخفاؤه.
نجح المسلسل في تحقيق معادلة دقيقة بين التوثيق والطرح الفني؛ فلا هو سقط في فخ الشعارات، ولا انزلق إلى التبرير، بل قدم شخصية مركبة، تكشف آليات التفكير والتنظيم داخل الجماعة، وتوضح كيف تم الانتقال من الاحتجاج السياسي إلى استراتيجية الاستنزاف والعنف.
كما يعكس العمل تطور الدراما المصرية في التعامل مع الملفات السياسية الحساسة، حيث لم يعد الطرح سطحيًا أو مباشرًا، بل بات قائمًا على بناء درامي عميق، وحبكة تتيح للمشاهد فهم السياق التاريخي دون تلقين.
من وجهة نظري، يمثل “رأس الأفعى” نموذجًا لدراما واعية تدرك مسؤوليتها الوطنية ، فالمعركة اليوم ليست فقط معركة أمنية أو سياسية، بل هي بالأساس معركة وعي. والإخوان أدركوا مبكرًا خطورة السرد، فسعوا للسيطرة على المنصات الإعلامية وتصدير رواية أحادية، لذلك فإن الرد لا يكون بالشعارات، بل بالإنتاج الثقافي والفني القادر على الوصول إلى الجمهور بلغة يفهمها ويتفاعل معها.
الدراما، حين تكون صادقة ومبنية على حقائق، تتحول إلى وثيقة شعبية تحفظ الذاكرة من التزييف. و”رأس الأفعى” خطوة في هذا الاتجاه، تؤكد أن الفن يمكن أن يكون سلاحًا ناعمًا، لكنه بالغ التأثير، في كشف ما جرى، وحماية الوعي من الاختطاف.



