
لم تكن رحلة الإسراء والمعراج مجرد انتقال مكاني في عتمة الليل
بل كانت إعلاناً كونياً زلزل ثوابت المادة
وأعاد تعريف علاقة الأرض بالسماء
هي قصة قلبٍ صابر عانق سدرة المنتهى
ليعود لنا بيقينٍ يطوي المستحيلات
1. من ضيق المحنة إلى سعة المنحة:
حين نقرأ التاريخ نجد أن هذه المعجزة لم تأتِ في وقت الرخاء
بل ولدت من رحم الوجع
كان النبي ﷺ يمر بما نطلقه عليه اليوم أزمة خانقة
فقد رفيقة دربه السيدة
خديجة رضى الله عنها
وسنده أبا طالب
وواجه جفاء أهل الطائف
هنا تتدخل العناية الإلهية لترسم مشهداً بليغاً:
حين تنغلق أبواب البيوت في وجهك
تذكر أن أبواب الملكوت لا توصد أبداً
الإسراء كان رسالة حب ربانية تقول للمصطفى عليهةالسلام:
إن جفاك أهل الأرض
فقد احتفت بك السماوات
والدليل أن الله لم يواسهِ بكلمات فحسب
بل واشاهُ برؤية ملكوته مصداقاً لقوله:
لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا
2. سُبْحَانَ .. فك شفرة القوة الإلهية
كلمات القرآن ليست مجرد حبر
بل هي مفاتيح للفهم
لنفكك معاً هذه اللوحة البيانية في قوله تعالى:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ
تنزيه الذات سُبْحَانَ:
بدأت السورة بالتسبيح
لتفصل بين الفعل الإلهي والإدراك البشري
وكأن الله يقول للقارئ:
أفرِغ عقلك من مقاييس المادة المحدودة
واستعد لرؤية فعل الخالق الذي لا يُعجزه شيء
فالتسبيح هنا هو إعلان عن استقالة قوانين الفيزياء أمام إرادة واضعها
سرُّ الباء بِـعبده:
النبي ﷺ لم يقطع الفيافي بقوته أو وسيلته
لم يقل إنى سريت
وإنما قال : أسرى بى
كان محمولاً بفيض القدرة
مثل تقريبى
طفلٍ رضيع تحمله امه تقطع به المسافات وهو نائم
الطفل لم يبذل جهداً
لكنه وصل بقوة مَن حمله
لذا، سقطت هنا قوانين السرعة والزمن
لأن الفاعل هو الله، والفاعل لا تحده أدوات هو خلقها
سموُّ العبودية:
لِمَ عبدِه وليس نبيّه؟
لأن العبودية لله هي قمة الحرية
وأعلى مراتب الشرف
في تلك الليلة المباركة
كان محمد ﷺ عبداً في تواضعه
لكنه كان سيداً في مقامه ليثبت أن الانكسار لله هو بوابة العروج إلى العظمة
3. المعجزة حين يتنحى المنطق المادي:
البعض يحاول إخضاع الإسراء لمختبرات الفيزياء
وهذا خطأ منهجي
فالمعجزة في أصلها هي خرق للقانون العام بقرار من صاحب القانون
برهان القياس:
الله الذي جعل النار برداً وسلاما على إبراهيم
تعطيل خاصية الإحراق
والبحر طريقاً لموسى
تغيير خاصية الميوعة
هو نفسه الذي طوى
الزمان والمكان لمحمد ﷺ
الدليل العقلي:
القوانين الكونية كالجاذبية والسرعة
ليست أسياداً لنا بل هي أدوات وصيغٌ رتيبة وضعها الخالق لتنظيم حياة البشر
يوقف عملها أو يغير مسارها متى شاء
بكلمة كن
المعجزات:
خوارق للعادة أيد بها الله الأنبياء والمرسلين
ويثبتها لهم جميعا بما أثبته الدليل القرآنى
والمنكر لمعجزة ثابتة منكر لكل المعجزات
ومن أنكر الثابت انكر الكتب والرسالات .. ولا حظ له من الإيمان بوحى السماء .
الخاتمة:
يقين لا تزعزعه المادة
إن رحلة الإسراء هي الدرس الأكبر في لثقة بالله
هي تخبرنا أن عالم الأسباب الذي نعيشه ليس كل شيء
وأن وراء الستار مسبباً
يغير المشهد في لحظة
لقد عاد النبي ﷺ من تلك الرحلة بيقينٍ لم تزعزعه سخرية قريش ولا تكذيب المكذبين
لأنه لم يذهب بعقله بل أُسري بروحه وجسده في كنف الخالق
وهكذا المؤمن إذا أيقن أن الله معه
طوى له المستحيل
وصار عسره يسراً
وضيق أرضه سماءً واسعة



