رقابة محكمة النقض على الأحكام الجنائية رقابة على القانون أم رقابة على الواقع
بقلم الدكتور أحمد صفوت السنباطي بمحكمة النقض

تمثل محكمة النقض قمة الهرم القضائي في معظم الأنظمة القانونية، وهي الحارس على التوحيد القضائي والتطبيق السليم للقانون لكن الإشكالية التي تظل قائمة تتمثل في طبيعة الرقابة التي تمارسها هذه المحكمة هل هي رقابة على القانون أم على الواقع؟ بمعنى آخر، هل تختص محكمة النقض بمراقبة التطبيق الصحيح للقانون فقط، أم تمتد رقابتها لتشمل تقدير الأدلة وتكييف الوقائع؟ هذه المسألة تشكل أحد أهم وأعقد الإشكالات في قانون الإجراءات الجنائية، وتثير جدلاً فقهياً وقضائياً مستمراً.
من الناحية النظرية، تقتصر رقابة محكمة النقض على مسائل القانون دون مسائل الواقع فمحكمة الموضوع – سواء كانت محكمة أول درجة أو استئناف – هي صاحبة السلطة المطلقة في تقدير الأدلة وتكييف الوقائع تستمع هذه المحكمة للشهود مباشرة، وترى الإجراءات عن قرب، وتقدر قيمة كل دليل من الأدلة المقدمة، وتزنها وفقاً لقناعتها الشخصية التي تكونت لديها من مجمل الإجراءات أما محكمة النقض، فهي محكمة قانون لا واقع، تختص بمراقبة صحة تطبيق القواعد القانونية، ومدى احترام محكمة الموضوع للأصول والإجراءات القانونية هذا التمييز بين القانون والواقع يبدو واضحاً نظرياً، لكن التطبيق العملي يظهر تداخلاً كبيراً بين المجالين يصعب معه الفصل بينهما.
في الواقع العملي، نجد أن محكمة النقض تمارس نوعاً من الرقابة غير المباشرة على الواقع من خلال رقابتها على القانون فمحكمة النقض تتدخل عندما يكون الخطأ في تكييف الوقائع قد أدى إلى خطأ في تطبيق القانون كما تتدخل عندما تكون محكمة الموضوع قد أساءت تقدير الأدلة أو أقامت حكمها على أسباب غير سائغة أو متناقضة فمثلاً، إذا استندت محكمة الموضوع في إدانة المتهم إلى دليل غير مقبول قانوناً، أو إذا أساءت تطبيق قاعدة قانونية على وقائع الدعوى، فإن محكمة النقض تتدخل لنقض الحكم وهنا نجد أن الرقابة على القانون تمتد عملياً لتشمل الرقابة على الواقع، لكن بشرط أن يكون هذا الخطأ في تقدير الواقع قد ترتب عليه خطأ في تطبيق القانون.
من أهم مجالات رقابة محكمة النقض على الواقع من خلال القانون، رقابتها على الأسباب التي تستند إليها الأحكام تشترط معظم القوانين أن يكون الحكم مسبباً، أي أن يذكر الأسباب الواقعية والقانونية التي بني عليها وعندما تختل هذه الأسباب أو تتناقض، تتدخل محكمة النقض فمثلاً، إذا بنت محكمة الموضوع حكمها على أسباب غير كافية أو متناقضة، أو إذا أساءت تقدير قيمة دليل من الأدلة، فإن محكمة النقض تعتبر ذلك مخالفة في القانون تستوجب نقض الحكم كما تتدخل محكمة النقض عندما يكون الحكم غير مسبب أو إذا كانت الأسباب المذكورة غير سائغة قانوناً وهنا نجد أن الرقابة على شكل الحكم وأسبابه تمثل بوابة لدخول محكمة النقض إلى مجال الواقع.
من ناحية أخرى، تمارس محكمة النقض رقابة على تكييف الوقائع فمحكمة الموضوع هي التي تختص بتكييف الوقائع، أي تصنيفها وتوصيفها قانوناً لكن إذا أساءت محكمة الموضوع هذا التكييف، فإن محكمة النقض تتدخل فمثلاً، إذا وصفت محكمة الموضوع السرقة بأنها خيانة أمانة، أو إذا طبقت نصوصاً قانونية غير مناسبة على الوقائع الثابتة في الدعوى، فإن محكمة النقض تنقض الحكم وهنا نجد أن محكمة النقض لا تناقش محكمة الموضوع في ثبوت الوقائع، لكنها تناقشها في التكييف القانوني لهذه الوقائع وهذا يمثل منطقة رمادية بين القانون والواقع.
كما تمارس محكمة النقض رقابة على تقدير العقوبة فمحكمة الموضوع تتمتع بسلطة تقديرية في تحديد العقوبة الحدود القانونية لكن هذه السلطة التقديرية ليست مطلقة، بل تخضع لرقابة محكمة النقض من حيث الضوابط والشروط. فمثلاً، إذا طبقت محكمة الموضوع عقوبة خارج الحدود القانونية، أو إذا لم تراع الظروف المخففة أو المشددة بشكل سليم، أو إذا خالفت القواعد الخاصة بتعدد الجرائم أو تعدد العقوبات، فإن محكمة النقض تتدخل. وهنا أيضاً نجد تداخلاً بين القانون والواقع، فالعقوبة تتعلق بتقدير الواقع، لكن ضوابطها وشروطها مسألة قانونية.
كذلك تمارس محكمة النقض رقابة على الإجراءات فمحكمة النقض تراقب مدى التزام محكمة الموضوع بالإجراءات القانونية في سير الدعوى فمثلاً، إذا خالفت محكمة الموضوع قواعد الإثبات، أو إذا قبلت دليلاً غير مقبول، أو إذا انتهكت حقوق الدفاع، فإن محكمة النقض تنقض الحكم وهذه الرقابة الإجرائية تمثل رقابة قانونية بحتة، لكنها تؤثر بشكل غير مباشر على الواقع، لأن الإجراءات الخاطئة قد تؤدي إلى ثبوت وقائع غير صحيحة.
في الختام، يمكن القول إن محكمة النقض تمارس في الواقع رقابة مختلطة على القانون والواقع معاً، لكن تحت غطاء الرقابة على القانون فمن الناحية النظرية، تختص محكمة النقض برقابة القانون فقط، لكن من الناحية العملية، تمتد رقابتها إلى الواقع من خلال بوابة الرقابة على القانون هذا التداخل بين المجالين يجعلهما متكاملين فالرقابة على القانون لا تكون مجدية دون رقابة على الواقع، لأن القانون يطبق على الوقائع، وأي خطأ في الوقائع سيؤدي حتماً إلى خطأ في تطبيق القانون لذلك، يمكن القول إن محكمة النقض تمارس رقابة على القانون من خلال الواقع، ورقابة على الواقع من خلال القانون. هذه الثنائية تمثل جوهر عمل محكمة النقض، وتجعل منها حارساً للعدالة ليس فقط من الناحية القانونية، بل من الناحية الواقعية أيضاً والاتجاه الحديث في الفقه والقضاء يميل إلى توسيع رقابة محكمة النقض لتشمل مراقبة منطقية واستقامة الأسباب التي تذرها محكمة الموضوع، مما يعزز دور محكمة النقض في حماية حقوق الأفراد وتحقيق العدالة



