
ليس رمضان طقسًا روحانيًا عابرًا في حياة الأمم، بل هو موسمٌ سنويٌّ لإعادة ترتيب الأولويات، وضبط الإيقاع، واستعادة المعنى. وإذا كانت الشعوب تتغيّر في هذا الشهر سلوكًا ووجدانًا، فإن إدارة الدولة يمكنها كذلك أن تستلهم منه فلسفةً أعمق في الحكم والسياسة.
رمضان يعلّمنا أن الانضباط ليس قيدًا بل قوة. فالصائم يمتنع باختياره، ويضبط شهوته طوعًا، طلبًا لغاية أعلى. وفي السياسة، لا تقوم دولة رشيدة بلا انضباط مؤسسي، ولا قرارات مدروسة، ولا قدرة على تأجيل المكاسب الصغيرة من أجل مصالح أكبر وأبقى. إن إدارة الدولة بروح رمضان تعني ترسيخ ثقافة الأولويات، فلا يُقدَّم الهام على الأهم، ولا يُؤجَّل الإصلاح بحجة الراحة المؤقتة.
وفي رمضان تتعاظم قيمة التكافل. تتسع الموائد، وتُفتح الأبواب، ويشعر الغني بحاجة الفقير قبل أن يطلب. تلك الروح ليست شأنًا اجتماعيًا فحسب، بل هي ركيزة في السياسات العامة. فالدولة التي تستفيد من رمضان هي التي تجعل العدالة الاجتماعية برنامجًا دائمًا، لا حملة موسمية؛ توازن بين النمو والحماية، بين الاستثمار والإنصاف، وبين الأرقام والإنسان.
كما أن رمضان شهر المراجعة. يراجع الفرد نفسه، يحاسبها، ويصحح مساره. والدولة الرشيدة لا تخشى المراجعة ولا تعادي التقييم؛ بل تعتبر الشفافية والمساءلة نوعًا من الصيام عن الخطأ، وقيامًا في وجه التقصير. فالمؤسسات التي تحاسب نفسها قبل أن تُحاسَب، أقرب إلى الثبات وأبعد عن الزلل.
وفي هدوء ليالي رمضان درسٌ آخر: أن الضجيج ليس دليلاً على الإنجاز. كثير من العمل الحقيقي يتم في صمت. كذلك الإدارة السياسية الرصينة لا تُقاس بارتفاع الشعارات، بل بعمق الأثر؛ لا بكثرة الخطابات، بل بصدق النتائج.
ثم إن الصبر — وهو روح الصيام — قيمة استراتيجية في إدارة الدول. فالإصلاح الحقيقي لا يولد دفعة واحدة، بل ينمو بالتدرّج، ويحتاج إلى نفسٍ طويل ورؤية واضحة. ومن يفهم فلسفة الصبر يدرك أن البناء أهم من الاستعراض، وأن الثبات أهم من الاندفاع.
إن الاستفادة من رمضان في إدارة الدولة لا تعني خلط الدين بالسياسة بقدر ما تعني استلهام القيم الكبرى: الانضباط، والعدالة، والمراجعة، والصبر، والرحمة. تلك القيم إن تحولت إلى سياسات، وإلى ثقافة مؤسسية، صارت الدولة أكثر قربًا من شعبها، وأكثر قدرة على عبور التحديات.
رمضان ليس مجرد شهر في التقويم، بل فرصة في الضمير؛
ومن أحسن اغتنام الفرص الروحية، أحسن إدارة ال
شأن العام.



