
كتبها : سيف محمد كامل
الفصل الأول: الظلال المتحرك
كان الليل يتسلل ببطء، يعمّ الظلام الأرجاء وكأنما الدنيا بأسرها تعتاد على الخواء. الأضواء الخافتة في الزوايا المهملة للمكتب أضحت تتناثر كشرارات ضعيفة أمام هجمة العتمة التي دخلت مع كل خطوة. هنا، لا يلتقي الزمن بالمكان. لا أحد يهتم، ولا شيء ينتظر. المحقق سامر كان يعلم أنه عالق في دوامة، ليست جريمة واحدة فقط ما كان يلاحقها، بل سلسلة من الظلال التي تلاحقه منذ سنوات.
في الزمان الذي فقد فيه الأمل، تراه يتنقل بين ملفات الضحايا الذين أصبحوا مجرد أرقام وأسماء لا تنتمي إلى أصحابها بعد أن أضحت هوياتهم محض رماد. ضحايا قتلوا بشكل غامض،
ولا يوجد شيء يدل على أي نية غير أن القاتل كان يشبع جوعه إلى الفوضى. لم يكن هناك دليل واحد، لا بصمة، لا شهود، ولا حتى أدلة في مسرح الجريمة يمكن أن تفضح الحكاية الكامنة وراءها.
أغلق المحقق سامر ملفًا آخر، وألقى بنظرة أخيرة إلى الصورة القاتمة التي كانت أمامه: شابة شقراء في العشرينات من عمرها، عثر عليها مرمية في أحد الأزقة الضيقة، وجهها مشوه، عيونها الزرقاء فارغة، وكأنها لم تكن هناك يومًا. حول رقبتها كانت آثار حبل ضيق، لكن لا أحد يعرف إن كانت هي السبب في موتها، أم أن القاتل قد اخترع وسيلة أخرى للإخفاء.
سامر كان يشم رائحة الموت، لكنه لم يكن يدرك إن كان هذا هو نفسه شعوره الشخصي من داخله. الشكوك كانت تلاحقه، مثل السحب السوداء التي لا تفارق السماء. لكن ماذا إن كان هو، هو نفسه القاتل الذي لا يعترف بحقيقته؟
نظر إلى الزجاج المعتم في مكتبه، حيث انعكست صورته بوجهه المتجعد، الذي لم يعد يحتفظ بأي تعبير بشري منذ أن بدأ في محاربة الظلال التي تلاحقه. قال لنفسه مجددًا: “القتلة ليسوا دائماً من يحملون السكاكين أو البنادق. القتل يبدأ في الذهن، ثم ينتقل إلى الجسد.”
مر وقت طويل منذ أن غادر سامر المنزل آخر مرة. منذ أن اختار أن يصبح مجرد أداة في معركة خاسرة ضد نظام عدالة معطوب. لا أحد يهتم بالقانون عندما تكون الحقيقة مليئة بالكذب، ولا أحد يتوقع أن ينجح في كشف الألغاز عندما يكون كل شيء قد اختلط بالدماء والدموع.
في زاوية الغرفة، كانت هناك صورة قديمة لعائلة محطمة. يده تتجه نحوها، لكنه يتراجع. لا يستطيع النظر في أعينهم بعد الآن. “هل أنا مثلهم؟” سأل نفسه، لكنه سرعان ما طرد الفكرة من رأسه.
في الحقيقة، لم يكن هناك وقت للمشاعر، ولا مجال للمراجعات. كان عليه أن يمضي قدماً. الجريمة لم تتوقف، ولا يمكنه التوقف. ولو لم يكن هو، فهل هناك من سيقود التحقيقات إلى الطريق الصحيح؟ أم أن الجميع سيتوقف في النهاية؟ هل هو المحقق المفقود، أم هو الجاني الذي لا يستطيع الهروب من تاريخه؟
وبينما كان يمعن في التفكير، دق جرس الهاتف.
أجاب سامر بتثاقل. “ماذا؟”
“لقد وجدنا شيئًا جديدًا، شيء لم نكن نتوقعه.”
كانت تلك كلمات المفتش طارق، زميله في التحقيقات، الذي كان يواجه هو الآخر جدرانًا من الصمت. لكن هذه المرة كان الصوت يحمل توترًا. وكأن شيئًا ما قد تغير. كان يعلم، في أعماقه، أن التحقيق في هذه القضية ربما سيقوده إلى حيث لا يريد الذهاب.
“أين؟” همس سامر.
“في المستشفى المهجور، في الطابق الرابع. وجدنا جثة جديدة، ولكن هناك شيء غريب. إنها نفس الطريقة، ولكن هذه المرة… لا توجد آثار للقتل.”
قفز قلب سامر في صدره. “ماذا تعني أنه لا توجد آثار؟”
“لقد بدت وكأنها ماتت من تلقاء نفسها، لكننا نعلم أن هناك شيئًا غريبًا وراء ذلك.”
سامر ابتلع ريقه بصعوبة. هذا هو المأزق الذي كان يحاول الهروب منه، لكن يبدو أن الجريمة تجد طريقها إلى نهاياته. كأنه كان يهرب من ظلاله التي بدأت تلاحقه، لكن الظلال لا تملك أن تنقض عليه إلا حين يعتقد أنه قد تخلص منها.
يتبع…