كانت السماء تمطر تلك الليلة، وهذا وحده كان يجب أن يكون نذير شؤم.
يحيى وقف أمام العمارة القديمة يرتجف، ليس من البرد فقط. كان يرتجف من الإحساس بأنه يقف على حافة قرار مصيري، لكنه لم يعد يملك خيارات أخرى العمارة شاهقة، واجهتها من الحجر الجيري الذي اسود بفعل عقود من التلوث والرطوبة، شبابيكها الخشبية مهترئة وبعض زجاجها مشروخ في الطابق الأرضي، محل بقالة مغلق منذ زمن، تغطي ستائر حديدية صدئة واجهته فوقه، شرفات ضيقة تتدلى منها أحبال غسيل فارغة، ترقص في الريح الباردة كأشباح تلوح له بالابتعاد.
نظر إلى يده المرتعشة وهو يمسك بورقة الإعلان المبلولة:
ألف وخمسمائة جنيه في مدينة الإسكندرية في منطقة قريبة نسبياً من البحر هذا الرقم لا يمكن أن يكون حقيقياً إما أن الشقة مسكونة، أو أن فيها عيباً كبيراً أو كلاهما.
لكن يحيى كان في وضع لا يسمح له بالاختيار
أخرج هاتفه، تأكد من رصيده المتبقي في المحفظة الإلكترونية: 2300 جنيه هذا كل ما يملكه بعد أن سدد ديونه الصغيرة، وبعد أن دفع غرامة فسخ عقد الشقة القديمة لأنه اضطر للخروج قبل انتهاء المدة مالك الشقة السابقة لم يرحمه، أخذ منه التأمين كله بحجة أنه أتلف الحائط عندما كان يحاول تعليق رف كتب لم يكن هناك رف كتب كان هناك ثقب في الحائط من لكمته عندما سمعها تقول: “أنا مش عايزة أعيش على قد ما انت بتكسب، يحيى أنا عايزة أعيش”.
ضحكة يحيى كانت مرة وهو يتذكر خمس سنوات من العلاقة تنتهي بجملة واحدة من مكالمة هاتفية لا نقاش لا فرصة أخيرة.
رفع رأسه إلى العمارة مجدداً من إحدى الشرفات في الطابق الخامس، رأى ستارة تتحرك بسرعة، وكأن أحداً كان يراقبه ثم اختفى.
تصلب مكانه
لا بأس مجرد وهم مجرد هواء
طرق باب غرفة البواب.
الحاج عبود كان رجلاً في السبعين، لكنه بدا وكأنه أكبر وجهه متجعد كخريطة لطريق قديم مهجور، وعيناه غائرتان، لكنهما كانتا حادتين بشكل مزعج كان يجلس خلف مكتب خشبي صغير في غرفة ضيقة تفوح منها رائحة الشاي والتبغ ودخان الفحم على الحائط خلفه، صورة قديمة جداً للعمارة من خمسينيات القرن الماضي، وإلى جوارها ساعة حائط لا تعمل، عقاربها جامدة على الساعة الثالثة وعشر دقائق.
أشار له الحاج عبود بالجلوس دون أن ينبس بكلمة.
جلس يحيى على كرسي بلاستيكي مكسور، شعر أنه سيغوص في الأرض في أي لحظة.
“جاي في الشقة”، قال يحيى أخيراً لكسر الصمت.
الحاج عبود رفع رأسه ببطء شديد، حدق فيه لثوانٍ طويلة جداً ثم قال بصوت أجش: “أكيد مش جاي تزورني”.
ضحك يحيى بتوتر، لكن الرجل لم يبتسم صمت ثقيل ساد الغرفة، لا يقطعه إلا صوت المطر يتساقط على النافذة الصدئة.
“الإعلان قال 1500″، بدأ يحيى “أكيد في غلط. أقصد… المنطقة هنا…”
الحاج عبود قاطعه بحركة يده قام بصعوبة، فتح درج المكتب، أخرج سلسلة مفاتيح صدئة ألقاها على المكتب أمام يحيى.
“الشقة 13 الطابق الرابع. مفروش. مفتاحين: واحد للباب الرئيسي، واحد لباب الشقة. الأهالي هنا ناس هاديين مدام روز في الشقة 12، ست كبيرة عايشة لوحدها وفوق في 15 شباب متجوزين جديد تحتك في 11 شغالة ومفيش حد ساكن والباقي… مش هتسمعهم.”
يحيى تردد”طيب… ليه رخيصة كده؟ أكيد فيها حاجة السباكة؟ النور؟”
الحاج عبود جلس مجدداً أخفى يديه تحت الطاولة حدق في يحيى نظرة طويلة جعلته يشعر بأنه مجرد حشرة تحت مجهر.
“الشقة قديمة الحوائط فيها… سميكة. وبالنسبة للنور والماية، كل حاجة شغالة عيبها الوحيد إنها… هادية أوي.”
“هادية؟ دي حاجة كويسة، مش؟”
الحاج عبود لم يجب مد يده، تناول كوب الشاي الذي كان بجانبه، رشفة طويلة ثم قال، بصوت منخفض جداً: “في ناس بتخاف من الهدوء في ناس بتسمع حاجات… في الهدوء.”
يحيى شعر بقشعريرة تسري في عموده الفقري حاول أن يضحك “أنا عندي طنين في الأذن من زمان، مش هتفرق معايا حاجة.”
الحاج عبود رفع حاجبه كان رد فعله غريباً: بدا وكأنه يصدقه وكأن هذه المعلومة كانت مهمة بالنسبة له.
“خلاص”، قال الحاج عبود فجأة “الشقة ليك ادفع تلاتة آلاف تأمين وشهر قدام، وامضى العقد.”
يحيى كاد يختنق “التأمين المفروض 1500 مش تلاتة آلاف!”
“مش لازم تاخدها”، قال الحاج عبود بهدوء وأغلق عينيه
المطر يزداد غزارة خارج الغرفة يحيى كان يشعر ببلل قدميه، حذاؤه الرياضي الرخيص لم يعد يقاوم. نظر إلى المفاتيح على المكتب شقة مفروشة. 1500 جنيه لا يوجد بديل آخر معاش شهري له من تصميم الجرافيك كان 2800 جنيه، وبعد ما كسبت الذكاء الاصطناعي على شغله، صار نادراً ما يجد عملاء جدد.
أخرج هاتفه. حول 4500 جنيه من رصيده المتبقي قال: “أبعتهملك كاش أبلكيشن؟”
الحاج عبود فتح عينيه فجأة، وسرعان ما أغلقهما مجدداً هز رأسه بالإيجاب فقط.
بعد دقائق من الصراع مع شبكة المحمول البطيئة، تم التحويل. الحاج عبود لم ينظر حتى إلى هاتفه ليتأكد فقط قال: “المفاتيح معاك. روح الشقة في انتظارك.”
يحيى نهض، شعر بالدوار قليلاً كان صائماً ذلك اليوم، ولم يأكل شيئاً أمسك بالمفاتيح، كانت باردة جداً، معدنية صدئة، ثقيلة بشكل غير طبيعي.
“الحاج عبود… أنا فعلاً مش عارف أشكرك.”
“متفكرنيش بالخير”، قال الرجل دون أن يفتح عينيه “ومتزعلش نفسك لو… لو سمعت حاجات غريبة ده طبيعي في العمارة دي.”
يحيى توقف عند الباب “حاجات غريبة زي إيه؟”
لكن الحاج عبود بدأ فجأة يشخر نوم صناعي واضح يحيى فهم الرسالة، فتح الباب، وخرج إلى المطر.
العمارة من الداخل كانت أسوأ مما تخيل.
السلم رخام قديم، لكنه متآكل في الوسط من كثرة الدوس عبر السنين الدرابزين حديد مشغول، لكنه صدئ ومرتخٍ في بعض الأماكن رائحة عفن خفيفة تتصاعد من تحت الأبواب، ممتزجة برائحة بخور رخيص وبصل مقلي المصعد كان موجوداً، لكن بابه مقفول بسلسلة، وورقة مكتوب بخط اليد: “عطلان”.
الطابق الرابع كان أطول مشي في حياة يحيى.
أخيراً، وصل باب الشقة 13 كان أغمق من باقي الأبواب، خشب صلد قديم، مقبضه نحاسي أصفر مخضر وضع المفتاح في الحُبسة، تأكد أنه يدور بصعوبة ثم فتح الباب.
الرائحة كانت أول ما ضربه.
رائحة… قديمة ليست كريهة، لكنها قديمة. رائحة كتب مهترئة، وخشب معتق، وغبار عتيق رائحة زمن آخر. دخل بحذر، بحث عن مفتاح النور بيده على الحائط وجده ضغط.
لم يحدث شيء.
سبّ من تحت أنفاسه، أضاء كشاف هاتفه. ضوء خافت كشف له غرفة معيشة واسعة، أثاثها خشب داكن على الطراز القديم، كنبة مغطاة بقماش المخمل الأحمر الباهت، منضدة زجاجية عليها فازات فارغة، مرآة كبيرة على الحائط مقابله تعكس صورته بشكل مشوه.
بحث عن لوحة الكهرباء وجدها في الممر الصغير قرب المطبخ قلب الأتوماتات كلها فجأة، اشتعلت لمبة في السقف خلفه، ثم انطفأت، ثم اشتعلت مجدداً بثبات.
نور خافت أصفر يملأ المكان.
يحيى تنفس الصعداء. أغلق الباب خلفه شعر فجأة بعزلته عن العالم. صوت المطر أصبح خافتاً جداً صوت سيارات الشارع اختفى تقريباً حتى صوت الريح الذي كان يعوي قبل قليل، لم يعد مسموعاً.
“هادية فعلاً”، تمتم في نفسه. “زي القبر.”
تفحص الشقة غرفة معيشة واسعة، مطبخ ضيق لكن نظيف نسبياً، حمام صغير ببلاط أزرق قديم، وغرفة نوم في النهاية. سرير حديدي كبير، دولاب خشبي يئن عندما فتحه، ومنضدة تسريح عليها مرايا متشققة الأطراف.
وضع حقيبته الصغيرة على السرير كانت كل أملاكه. بضع تغييرات من الملابس، لاب توب قديم، شاحن، فرشاة أسنان، وكتابان
هذا كل ما تبقى من ثلاثين سنة.
جلس على حافة السرير الغرفة صامتة جداً لدرجة أنه كان يسمع دقات قلبه.
صامتة جداً لدرجة أنه كان يسمع…
هل هذا صوت بكاء؟
تصلب يحيى مكانه.
أصغى جيداً.
لا شيء ربما كان وهماً.
نهض، عاد إلى غرفة المعيشة قرر أن يرتب أغراضه قليلاً فتح حقيبته، أخرج اللاب توب، وضعه على المنضدة الزجاجية مد يده ليفتح الستائر الثقيلة عن الشباك المطل على الشارع.
عندما لمس القماش المخملي الثقيل، سمعها بوضوح هذه المرة.
امرأة تبكي
صوت خافت جداً، يأتي وكأنه من داخل الجدار ليس من الشقة المجاورة، بل من داخل الجدار نفسه.