في عصرٍ باتت الشهرة فيه لا تُقاس بما يقدّمه الإنسان من نفعٍ أو علم، بل بعدد المشاهدات والإعجابات، ظهر ما يُسمّى بـ “الترند” ليصبح حاكمًا للعقول وموجّهًا للأنظار نحو ما لا يُسمن ولا يُغني من جوع. حدثٌ تافه أو تصرف عابر قد يتحوّل إلى قضية رأي عام، وتصبح المجالس ووسائل الإعلام منصات لتضخيمه.
رأينا ذلك جليًا في واقعة الكشري، وواقعة الشيبسي، وصاحب محل البويات، وغيرهم ممن أصبحوا “نجوم اللحظة” بلا قيمة حقيقية أو أثر نافع.
من الشيبسي إلى المانجو… السخافة تستمر
لم نكد ننتهي من “ضجيج الشيبسي” حتى جاء موسم “المانجو” ليُضاف إلى سيل التفاهة:
“لسه مخلصناش من الشيبسي، هندخل في المانجه، صحيح موسمها ولازم تدلع!”
هكذا صار المجتمع ساحة لكل باحث عن شهرة زائفة، وكلما زادت التفاهة، ارتفعت نسب المشاهدة!
أما تيك توك، فقد فتح الأبواب أمام محتوى يثير الغرائز ويهدم الأخلاق: رجل وزوجته يرقصان أمام الجميع، فتاة تقدّم عرضًا مبتذلًا، ورجل يتشبه بالنساء، حتى أصبح الفسق له متابعون، والحياء موضع سخرية.
الشرع يحذر من هذا المسار
قال الله تعالى:
{وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 3]
وقال سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 19]
وقال النبي ﷺ:
“مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ” (رواه الترمذي).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العز في غيره أذلنا الله.”
وقال الحسن البصري رحمه الله:
“إذا رأيتَ الله يُداول الفضيحة بين أيدي السفهاء، فاعلم أن الفتنة قد نزلت.”
تحذير العلماء والفقهاء
أجمع العلماء قديمًا وحديثًا على أن ترويج الفحش، وإشاعة التفاهة، وصناعة القدوات الفاسدة من كبائر الذنوب، لما يترتب عليها من إفساد للعقول والأخلاق، وقد حذّر علماء الأزهر الشريف وغيرهم من خطورة الإعلام الهابط الذي يُسوّق الرذيلة باسم الفن والترفيه.
الآثار الاجتماعية لهذه الظاهرة
ضياع أوقات الشباب في اللهو والعبث.
تآكل قيم الحياء والعفة.
رفع مكانة التافهين وتهميش المصلحين.
تحويل الإعلام إلى سوق للفضائح والشائعات.
كيف نواجه هذه اللعنة؟
تثقيف المجتمع إعلاميًا: نشر الوعي بدل الانقياد للترندات الرخيصة.
قوانين رادعة: لمحاسبة ناشري الفحش والمحتوى الهابط.
دعم المحتوى الهادف: وتشجيع المبدعين أصحاب الرسالة.
التربية الأسرية والمدرسية: لغرس القيم وتحكيم العقل.
سلاح المقاطعة الواعية: تجاهل هذه المهزلة يحرمها من الوقود الذي تتغذى عليه.
الخاتمة
قال رسول الله ﷺ:
“كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته” (متفق عليه).
فكلٌّ منّا مسؤول عن الكلمة التي يكتبها، والمقطع الذي ينشره، والترند الذي يروّج له. فهل سنترك الجيل الجديد رهينة لهذا الطوفان من العبث؟ أم سنبني لهم فضاءً نظيفًا يليق بعقولهم وقيمهم؟