مقالات وآراء

زيارة مفصلية: ما المكاسب التى حققتها القاهرة من القمة المصرية التركية ؟

بقلم احمد شتيه

لم تكن نتائج زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة مجرد حزمة اتفاقيات ثنائية، بل حملت في جوهرها تحولات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود العلاقات المصرية-التركية، لتطال موازين القوى الإقليمية ومسارات الصراع والتعاون في الشرق الأوسط وشرق المتوسط.

التركيز الواضح على الاتفاقيات الاقتصادية والاستثمارية يعكس إدراكًا مشتركًا لدى القاهرة وأنقرة بأن الاقتصاد أصبح بوابة الاستقرار السياسي.

فمصر تمثل سوقًا محوريًا وبوابة استراتيجية لإفريقيا والعالم العربي، بينما تمتلك تركيا قدرات صناعية وخبرات تصنيعية متقدمة .

هذا التكامل، إذا تم تفعيله فعليًا، يمكن أن يحوّل العلاقة من تقارب سياسي هش إلى شراكة مصالح يصعب التراجع عنها.

إقليميًا، يبعث هذا التعاون برسالة إلى القوى المنافسة بأن مصر وتركيا قادرتان على خلق تكتل اقتصادي مؤثر، يقلل من الاعتماد على أطراف خارج الإقليم، ويعزز من استقلال القرار الاقتصادي والسياسي.

ثانيًا: التعاون الأمني والعسكري… ضبط إيقاع الصراعات ، اللافت في نتائج الزيارة هو التأكيد على التنسيق الأمني والعسكري، وهو ما يحمل دلالات مباشرة على عدد من الملفات الساخنة، وعلى رأسها ليبيا وشرق المتوسط والصومال والسودان .

فالتفاهم المصري-التركي، حتى وإن لم يصل إلى تحالف عسكري معلن، يحدّ من احتمالات الصدام غير المباشر، ويفتح المجال أمام تسويات سياسية كانت معطلة بفعل تضارب المصالح.

كما أن هذا التنسيق يضع إطارًا جديدًا للتعامل مع التهديدات المشتركة، مثل الإرهاب والهجرة غير الشرعية، ويمنح البلدين قدرة أكبر على التأثير في مسارات الحل بدل الاكتفاء بردود الفعل.

ثالثًا: غزة والقضية الفلسطينية… ثقل سياسي مضاعف ، فالتوافق المصري-التركي حول ضرورة وقف التصعيد في غزة يحمل وزنًا سياسيًا خاصًا، فمصر تمتلك مفاتيح جغرافية وسياسية مؤثرة، بينما تحظى تركيا بعلاقات مع أطراف فاعلة في المشهد الفلسطيني.

هذا التلاقي يعزز فرص بلورة موقف إقليمي ضاغط، ويحدّ من محاولات فرض حلول أحادية أو تصفية القضية الفلسطينية خارج إطار الشرعية الدولية.

كما يوجّه رسالة واضحة بأن إدارة ملفات المنطقة لن تظل حكرًا على قوى بعيدة جغرافيًا عن مسرح الأحداث.

رابعًا: شرق المتوسط… من التنافس إلى إدارة المصالح

أحد الأبعاد غير المعلنة للزيارة يتمثل في شرق المتوسط، حيث كانت مصر وتركيا على طرفي نقيض خلال السنوات الماضية.

التقارب الحالي لا يعني نهاية الخلافات، لكنه يشير إلى انتقال الطرفين من منطق الصراع المفتوح إلى منطق إدارة الخلاف، وهو تطور بالغ الأهمية ينعكس على أمن الطاقة، وخطوط الملاحة، ومشروعات الغاز الإقليمية.

يمكن القول إن نتائج القمة أعادت مصر وتركيا إلى موقعهما الطبيعي كقوتين محوريتين في الإقليم، قادرتين على التنسيق بدل التنازع.

هذا التقارب يربك حسابات بعض الأطراف الإقليمية، ويمنح المنطقة فرصة نادرة لإعادة بناء توازنات أكثر استقرارًا، إذا ما تم ترجمة الاتفاقيات إلى خطوات عملية على الأرض.

قمة القاهرة لم تكن مجرد مصافحة سياسية، بل بداية لإعادة تموضع إقليمي محسوب، تدرك فيه القاهرة وأنقرة أن كلفة الخلاف أعلى بكثير من عوائد التعاون، وأن الشراكة الواقعية باتت خيارًا استراتيجيًا في إقليم يضيق بهامش الخطأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock