ملف سد النهضة لم يكن فى أى مرحلة مجرد خلاف فني حول المياه أو التنمية بل كان منذ لحظته الأولى اختبارا سياسيا لإرادة مصر ومحاولة مدروسة لجرها إلى مسار استنزاف طويل يشبه ما يحدث في ساحات صراع كبرى حول العالم حيث تتحول المشاريع الاقتصادية إلى أدوات ضغط جيوسياسي
اللافت أن الخطاب الإثيوبى اعتمد منذ البداية على نفي شرعية التاريخ ورفض الاتفاقيات القديمة بدعوى أنها وُقعت في زمن الهيمنة الاستعمارية وهو طرح يبدو فى ظاهره دعوة للعدالة بينما يخفي فى جوهره سعيا لإعادة هندسة الجغرافيا السياسية للمنطقة وفقا لموازين قوى آنية لا تحترم استقرار الدول ولا حقوق الشعوب
من يراجع تاريخ إثيوبيا الحديث يدرك أن الدولة بشكلها الحالي لم تتشكل عبر التوافق بقدر ما نشأت عبر التوسع القسري بدعم استعمارى مباشر حيث جرى ضم أقاليم وممالك مستقلة بالقوة وتحت مظلة القوى الكبرى وهو ما يجعل التشكيك فى المعاهدات التاريخية سلاحا ذا حدين قد يعيد فتح ملفات شرعية الدولة نفسها قبل أن يمس الآخرين
فى هذا السياق يبرز آبى أحمد بوصفه امتدادا لدور تاريخى تكرر فى إثيوبيا حيث يتم توظيف القيادة السياسية لتحقيق أهداف خارجية مقابل مكاسب مؤقتة داخلية فقد وفر له مشروع سد النهضة زخما سياسيا واستثمارات ضخمة ودعما عسكريا من أطراف ظنت أن الضغط على مصر ممكن دون كلفة
لكن الحسابات لم تسر كما خُطط لها فمصر أدارت الملف بعقل بارد ونجحت في تفكيك شبكة الدعم المحيطة بإثيوبيا وتحويل المعركة من مواجهة مباشرة إلى مسار دبلوماسي استنزف خصومها لا العكس وهو ما دفع آبى أحمد للبحث عن بدائل دولية بعد تراجع الحماسة الغربية
الحقيقة التى لا يمكن تجاوزها أن التعاون هو الطريق الوحيد القادر على تحويل سد النهضة من أداة صراع إلى مشروع إقليمي للتكامل فمصر والسودان وإثيوبيا يمكنهم جميعا الاستفادة إذا حُكم الملف باتفاق ملزم واضح يضمن الحقوق ويمنع المغامرة
أما استمرار المراهنة على كسر الإرادة المصرية فهو رهان خاسر لأن نهر النيل ليس ورقة تفاوض عابرة بل مسألة وجود تتجاوز الحسابات السياسية المؤقتة ومصر أثبتت عبر تاريخها أنها قد تؤجل الرد لكنها لا تتنازل عن حق الحياة
يبقى السؤال المطروح هل يدرك آبي أحمد أن لحظة الاختيار قد حانت وأن طريق الاستقرار يمر عبر الشراكة لا التصعيد أم أنه يكرر مسارا تاريخيا انتهى دائما بتخلى الداعمين وسقوط من ظنوا أنفسهم أكبر من الجغرافيا والتاريخ