
الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الملقب بالصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد ذكرت المصادر الإسلامية كما جاء في كتب الفقه الإسلامي أن هناك أمور تعينك على حفظ لسانك عن الآفات، ومنها التعوذ بالله من شر اللسان وكان من دعاء النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم “اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي ومن شر بصري ومن شر لساني ومن شر قلبي ومن شر منيي ” رواه النسائي، وكما أن من الأمور التي تعينك على حفظ لسانك عن الآفات هو إستحضار ثمرات حفظ اللسان في الدنيا والآخرة، وإستحضار مساوئ عدم حفظ اللسان حيث أنها محبطة لحسناتك يوم القيامة ومثقلة لميزان سيئاتك فهذا ما يشجع على حفظ اللسان من الآفات ويقوي العزيمة على ذلك، والإكثار من الصمت.
وكما أن من الأمور التي تعينك على حفظ لسانك عن الآفات هو أن تقطع كل الأسباب الباعثة على آفات اللسان كالغضب والحسد والكبر والغرور والمباهاة، والآيات القرآنية كثيرة في بيان نعمة من يستخدمون عقولهم، وقد أفاض المولى سبحانه في مدح من إنتفع بعقله بالمواعظ والعبر والآيات، وذم الله سبحانه من عطلوا عقولهم، وفي ذلك آيات كثيرة في القرآن الكريم، ولقد رغب الإسلام في الصدق وحث عليه في مجالات الحياة كلها واهتم به اهتماما كبيرا ولأهمية الصدق والعناية به في شئون الحياة كلها تضافرت نصوص القرآن والسنة في الحث عليه والتحلي به فقد ورد لفظ الصدق في القرآن الكريم في ثلاثة وخمسين ومائة موضعا والأنبياء عليهم السلام كلهم موصوفون بالصدق، وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يسأله أن يجعل مدخله ومخرجه على الصدق.
وقد كان صلى الله عليه وسلم مشهورا بالصدق قبل البعثة وبعدها فكان يلقب قبل البعثة بالصادق الأمين وبعد البعثة المباركة كان تصديق الوحي له مدعاة لأن يطلق عليه أصحابه الصادق المصدوق، ولأهمية الصدق والحث عليه أمر الله المؤمنين أن يكونوا دوما في زمرة الصادقين، فالصدق طمأنينة للقلب، أي يطمئن إليه القلب ويسكن، والكذب ريبة أي يقلق القلب ويضطرب، وإن من سماحة الشريعة الإسلامية هو الرفق في التعامل مع الناس، حيث قال العلامة ابن القيم رحمه الله، أن مُلاطفة الخلق، وهي معاملتهم بما يحب أن يعاملوه به من اللطف، ولا يعاملهم بالعنف والشدة والغلظة، فإن ذلك ينفرهم عنه، ويغريهم به، ويفسدهم عليه قلبه وحاله مع الله ووقته، فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف، فإن معاملة الناس بذلك، إما أجنبي فتكسب مودته ومحبته.
وإما صاحب وحبيب فتستديم صحبته ومودته، وإما عدو ومُبغض فتطفئ بلطفك جمرته وتستكفي شره، وكذلك عدم مؤاخذة الغضبان بما يصدر منه، وقد قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله، أنه متى رأيت صاحبك قد غضب، وأخذ يتكلم بما لا يصلح، فلا ينبغي أن تعقد على ما يقوله خنصرا، ولا أن تؤاخذه به، فإن حاله حال السكران، لا يدري ما يقول، بل اصبر لفورته، ولا تعول عليها، فإن الشيطان قد غلبه، والطبع قد هاج، والعقل قد استتر، ومتى أخذت في نفسك عليه، أو أجبته بمقتضى فعله كنت كعاقل واجه مجنونا، أو كمفيق عاتب مغمى عليه، فالذنب لك، بل انظر بعين الرحمة، وتلمح تصريف القدر له، وتفرج في لعب الطبع به، واعلم أنه إذا انتبه ندم على ما جرى، وعرف لك فضل الصبر، ومتى سمعت منه كلمة قذعة فاجعل جوابها كلمة جميلة، فهي أقوى في كفّ لسانه.
فإن لم تطق فهجر جميل، وإن عدوك إن بالغ في السب فبالغ في الصفح، تنب عنك العوام في شتمه، ويحمدك العلماء على حلمك، وإنما يقع هذا، ممن يري أن تسليطه عليه، إما عقوبة على ذنب، أو رفع درجة بالإبتلاء، فهو لا يري الخصم وإنما يري القدرة، وقد روي عن بعض السلف أن رجلا شتمه فوضع خده على الأرض، وقال اللهم اغفر لي الذنب الذي سلطت هذا به عليّ، وكذلك كتم أسراره عنهم، فقد قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله أكثر الناس لا يتمالكون من إفشاء سرهم، فإذا ظهر، عاتبوا من أخبروا به، فواعجبا كيف ضاقوا بحبسه ذرعا، ثم لاموا من أفشاه، وفي الحديث “استعينوا على قضاء أموركم بالكتمان” فإن قال قائل إنما أحدّث من أثق به، قيل له وكل حديث جاوز الاثنين شائع، وربما لم يكتم صديقك، والرجل الحزم الذي لا يتعداه سره، ولا يفشيه إلى أحد.



