صحف وتقارير

سيداو كعقاب للرجل قبل أن تكون إنصافًا للمرأة

قراءة تحليلية حول بنود الإتفاقية . بقلمي الأديبة والمفكرة الدكتورة جعدوني حكيمة.

حين قرأتُ عناوين اتفاقيةٍ كـ”سيداو”، شعرتُ كأنّها لم تُكتب على الورق بل على جرحٍ قديمٍ ينزف في قلب المرأة، جرحٍ حُفرته يدُ رجلٍ نسي أن الرجولة عطاءٌ لا استبداد. بدت لي الاتفاقية مثل سيفٍ مسلول، لم يرفعه ميزان العدل بل رفعه انتقامٌ طويل، غذّته ألسن صامتة، وورثته صدور قهرتها العبودية.

 

مهزلة الأعراب قوانين الأسرة تسن بعد أن” انطفأت المروءة في “رجالها.”و سقطت الفضيلة في بيوت” نساءها،”

“هكذا تحوّل قانون ” سيداو ” إلى مرآةٍ لخيباتهم، لا مشروعًا لنهضتهم. وما لم يُبعث الرجل من رماده، وتُصان المرأة بكرامتها، فستظل الأسرة ساحة حربٍ يكتب قوانينها المنتصر المؤقّت.”

 

لقد عاش المجتمع العربي عقودًا يترنح تحت نزعةٍ ذكورية جامحة رجلٌ يذهب حيث شاء كأن الأرض ملك يديه، يلهو بليله كما يشتهي، يعدد الزوجات بلا عدل، يرمي الأطفال كما يُرمى الغبار في مهب الريح، ثم يلتفت إلى المرأة ببرودٍ ويقول: “ما دخلكِ؟ أفعل ما أشاء.”

فجاء قانون ” سيداو ” يزحف ليعيد إلي الواقع صداه المفقود: “لكِ ياسيدتي ما له، وعليكِ ما عليه.”

وكأنّ حبل المكر الذي طالما أُطلقه الرجل في وجه المرأة عاد ليمتدّ ويلتف حول عنقه ويشنقه هو.

 

إنّ ما سُمّي بقانون الأسرة لم يولد من رحم عدلٍ متوازن، بل خرج من رحم واقعٍ مختل، تمامًا كما تخرج الثورات حين تُغتال الفضائل. لم يكن تشريعًا صافياً، بل انعكاسًا مشوّهًا لخيبة رجالٍ فقدوا ملامح الرجولة ؛ كانوا يُدعون للجهاد بالأمس لأن في وجوههم السكينةَ و البطولة، واليوم يختبئون خلف الشاشات، يفاوضون على أنفاسهم، ويبيعون المروءة في أسواق الخوف والخساسة.

 

المشرّع الأعرابويهودي لم يبتكر ميزانًا، بل قلب الموازين نفسها أعطى المرأة كل المداخل التي استأثر بها الرجل يوما. فإذا كان الرجل قد رمى أبناءه، فالمرأة أيضًا أُعطيت الحق أن ترمي. وإذا أقام علاقاته والمساكنة في الظل، فالقانون منحها ضوءًا أخضر لتفعل بالمثل. هكذا استحال العدل إلى مرآةٍ ملعونة كل طرف يرى فيها وجهاً مشوّهًا للآخر.

 

لكن السؤال الذي غير الخُرَافة، لو أنّ الرجل ـ حين كانت الكفّة بيده ـ صان الأسرة، وأحسن العشرة، وأخلص في حبه، هل كانت الحاجة ستقود إلى هذا القانون أصلاً؟

الجواب أن لاء. لقد خان نفسه قبل أن يخون غيره؛ لم يفهم أنّ المرأة ليست أمَةً في بيت السيادة، بل شريكة حياة. ومن هنا، ولدت القوانين الجديدة وكأنها انتقامٌ تاريخيٌّ، لا مشروع حضاريّ.

 

وحين كان القانون في صفّه، فتح أبواب النفاق على مصراعيها فتحول الواقع من حال إلى حال ،امرأة تُحرم من نفقةٍ تحفظ كرامتها وكرامة أطفالها، لتقبل فتاتًا من المال يفرضه رجلٌ بلا ضمير ويباركه قضاءٌ أعمى. فتلجأ في الظلام إلى طرقٍ أخرى تملأ بها فراغ المائدة. رجل يلهو بزنى الليل ثم يعود ليتدثّر بعباءة الشرف، حتى صار المجتمع كله مسرحًا كبيرًا للزيف، تتراقص فوق خشبته أقنعة رجال ونساءٍ صُمّ بُكمٌ عُمي، يصفّقون للصمت ويخافون من الضوء.

 

فقانون ” سيداو ” ماهو إلّا ثمرةَ من حرام خرجت من مجتمع ضغطٍ خانق، وانفجارٍ مؤجَّل، وانتقامٍ مكتوم يشبه بركانًا ظلّ يتنفس تحت التراب حتى لفظ حممه على المدينة كلها.

 

لقد انقلبت المجتمعات العربية إلى مسرحٍ ضخم، تعجّ به الأقنعة رجال ونساء متزوجون أمام الناس لكن بعيدا عن الأعين يتبادلون الخيانات في صمت الليل، ثم يخرجون في النهار بأثواب الدين والشرف كأنهم ملائكة لم تلمسهم الخطيئة. بيوتهم تبدو من الخارج كالمعابد، لكن جدرانها تخفي صراخًا مكتومًا، وشهواتٍ مقنّعة، ودموعًا بلا شاهد.

 

إنّ اتفاقية سيداو ـ بما لها وما عليها ـ لم تُنشئ الأزمة من فراغ، بل كانت سماء صافية تعكس وجوههم الملطّخة. لم تكن بدايةً بل نهايةً لرحلة طويلة من الاحتكار الذكوري، رحلةٍ أرهقت التاريخ نفسه حتى ثار علينا بسنونٍ قانونية حادة، تهدّد ما تبقّى من الأسرة، إن كان لها من بقايا أصلاً.

 

فالمرأة التي تقبل بخيانة زوجها وتلوذ بالصمت، تخون نفسها قبل أن تخون عهد الله ورسوله. هي لا تحمي البيت، بل تزرع في أبنائها جينات الخيانة كمن يغرس بذرةً سامة في حديقة مقدّسة. تتحوّل إلى شيطان أخرس يبارك الجريمة تحت شعاراتٍ منمّقة “اصبري لأجل الأطفال… سامحي حفاظًا على العائلة والأعراف.”

 

لكن المعظلة السوداء أنّ الرجل نفسه، إن اكتشف خيانة زوجته، مزّق سترها أمام الأهل والعشيرة، جرّدها من كرامتها، وهرع إلى القانون يرفع أوراقها الممزقة ليفضحها. كأن المجتمع يكتب مأساةً ملحمية قديمة حيث يُعفى الرجل من دمه، وتُرجم المرأة بدمعها.

 

ثم جآء القانون الدولي ليقلب الصفحة فإذا كان الرجل قد عاش زمنًا بلا رادع، فإن البنود الجديدة جاءت لتقول له “كما تدين تُدان.”

 

أليس هو الذي تزوّج الأوروبية ثم عاد ليقارنها بزوجته العربية ويحتقرها، ها هي المرأة اليوم تسافر بدورها، تحصل على جنسيةٍ أخرى، وتمنحها لأطفالها. وتتزوج الأوربي وتقارنه به ، لقد تحوّل سلاحه الموروث إلى خنجرٍ يلمع في يدها ويغرس في صدره.

 

وفي بعض الدول العربية، كانت الفتاة ـ زوجةً كانت أو عازبة ـ إذا صرخت من ظلم أبيها المتحرش بها أو أخيها أو حتى أحد محارمها المعتدي عليها جنسيًا، تُعاد إليهم مكبّلةً بفتوى الطاعة، ويصبح جسدها حقلًا للتأديب لا كرامة فيه. جهاز الدولة نفسُه تحوّل إلى أداةٍ تعيدها إلى جلادها باسم العائلة.

 

واليوم، صارت القوانين تمنحها الحق في الهروب، في تغيير جنسيتها، في السكن وحيدةً بعيدًا عن سلاسل وقيود الزوج المريض نفسيا أو الأب أو الأخ المتحرش.

 

والأدهى أنّ بعض الرجال في ظلمة البيوت كانوا يسلّمون زوجاتهم لآخرين، في جريمةٍ مركّبة من خيانةٍ وتجّارة رخيصة. أما الآن، فقد أصبح للمرأة في نصوص قانون ” سيداو ” الدولي منفذٌ يفتح لها باب الهروب منه و النجاة، ولو بصرخة لجوءٍ في بلاد بعيدة.

 

هذا الرجل الذي كان القانون خادمه، أراد الزواج سلعةً تُمنح بلا ثمن، والطلاق كلمةً تُقال في ساعة غضب ثم تُمحى آثارها من الدفاتر. أراد المرأة أمَةً لا زوجة؛ خادمةً لا شريكة؛ جسدًا مباحًا لا روحًا مصونة. يطلب منها الحميمية ليلا ونهارا و أن تنفق، أن تنظّف، أن تربي الأطفال وحدها، بينما هو يتوارى خلف الأعذار الواهية.

 

نسي أنّ المرأة الحرّة في الماضي كانت تاجًا من قداسة، صون كرامتها كان صونًا للوطن، وعزتها كانت درعًا للسماء. كانت تشبه مريم في طهرها، وآسية في صمودها، وعائشة في فقهها وصبرها. الحرة لم تكن تُمسّ إلا بعقدٍ مقدّس يربط الأرض بالسماء. أما الأمة فكانت تُباع وتُشترى، تُزيَّن لتُستهلك، وتُعرّى لتُمحى إنسانيتها.

 

والمأساة أنّ بعض رجال اليوم يريدون أن يجمعوا بين الاثنين يطلبون من الحرّة أن تكون أمَة، ومن الزوجة أن تتحوّل إلى عاهرة في الفراش بلا قداسة، بلا روح، بلا حدود. يريدونها جسدًا مطواعًا يلبّي نزواتهم كما يصوّرها خيالهم المشوّه.

 

إنهم لا يريدون امرأةً ذات حياء عابدة تراعي تعاليم الله، ولا صائمةً قائمة، ولا حرةً تفكّر وتعارض؛ لأن ذلك يهدّد سلطانهم المزيّف. يريدون فقط انعكاسًا لشهواتهم، جسدًا بلا ذاكرة، دميةً ، عبدة مملوكة. ترضى بكل مايقدم لها على طبق من ذل ، امرأةً مكتوبة على جبينها كلمة مطيعة، امرأةً تبدأ يومها مع الرجل بـ”لا” وتنهيه بـ”لا”.

 

لا نفقة، لا سكن، لا حرية، لا عمل، لا دراسة، لا هاتف ، لا نقاش ،لا تسوق ،لا شكوى، لا مرض، لا خروج من البيت، لا عائلة ، لا نزهة، لا متعة، لا صديقات ، لا هواء تتنفسه بعيدًا عن الأسوار، لا فرح يشرق في عينيها.

يريدونها كائنًا جنسيا منزوع الحقوق، محذوفًا من معجم الإنسانية، كأنها ظلٌّ يمشي خلفهم بلا اسم ولا صدى.

ثم حين يأتون إلى الفراش، يريدونها أن تقول “نعم”و” نعم” فقط و إلا تلعنها الملائكة.

نعم لجسدٍ بلا روح، نعم لشهوةٍ بلا حوار، نعم لاستعبادٍ مغطّى بستار الزوجية.

أيُّ معادلة دنيئة هذه؟

أن تتحوّل الزوجة إلى سلسلةٍ من ” لاء” لا تنتهي، ثم تختزل في “نعم” واحدة تُمحى عند الفراش؟

إنها ليست زوجة ولا شريكة، بل عبدة صامتة، لوحة جسدٍ معلّقة في غرفة مظلمة، محرومة من الضوء والهواء، لا يُطلب منها أن تحيا، بل أن تطيع فقط.

ولذلك، فإن ما نراه اليوم من قانون ” سيداو ” ليس عدلًا خالصًا، ولا ظلمًا خالصًا؛ إنما هو أشبه بانتقامٍ يخرج من بين أنقاض الظلم الذي مارسه الرجل على المرأة. اتفاقيات تحمل في طياتها روح الثأر أكثر مما تحمل روح الإصلاح، وتترك أجيالا في منتصف الطريق لا هم أمسكوا بحقيقة العدالة، ولا هم عادوا إلى نقاء الميثاق الأول.

 

قد يبدو قانون ” سيداو ” في عيون البعض كالصاعقة، لكنه في عيون أخريات نعمةٌ مؤجّلة، ورحمةٌ متأخرة، بل مكافأة للنساء المقهورات اللواتي قضين أعمارًا في صمتٍ يشبه صمت المقابر. إنهنّ ضحايا رجالٍ رخيصي الأخلاق، يُزيّنون وجوههم بأقنعة الرجولة والشهامة، بينما دواخلهم مرتعٌ للشذوذ والدنائة. وما يفعله هذا القانون ليس غريبا ، بل فضيحة من العيار الثقيل لما كان يُمارس طويلًا في الظل.

 

كم من امرأة لم ترَ حقيقة الرجل إلا بعد أن أوصدت الأبواب خلف زواجٍ ظنّته ميثاقًا مقدّسًا، فإذا به يتحوّل إلى فخّ؟

رجل يرفع شعار العفة والصدق، فإذا شاركته البيت اكتشفت خباثته في الخفاء، وبخله على المائدة، وعنفه في الفراش، وربما شذوذه الذي لم تُؤهَّل لتحمله. فينتهي الأمر بها إلى خلعٍ مرّ، أو إلى فضيحةٍ تُروى في المجالس، أو إلى جريمةٍ حمراء تتصدّر العناوين.

 

رجال الدين الذين ثاروا على المساكنة لم يقدّموا بديلاً يحفظ المرأة، بل غيّروا الأسماء وتركوا الجوهر سموه “عرفيًّا”، أو “مسيارًا”، أو “متعةً”. وكلها، حين نزيح عنها غطاء المصطلحات، ليست سوى صورٍ معدّلة من علاقةٍ مؤقتة، لا تحفظ كرامة امرأة، ولا تمنحها استقرارًا، بل تزيدها ذلًّا تحت قناع الشرع. فما الفرق إذن؟

 

لقد كانت المساكنة موجودة منذ زمن بعيد في مجتمعاتكم المحافظة كما تزعمون، لكنها كانت تعيش في جُحر النفاق، تُمارَس في السرّ بينما يعلو الصوت في العلن بالتحريم والتشهير. الجديد فقط أن هذا قانون ” سيداو ” أخرجها من الظلام إلى الضوء.

 

المضحك أن الرجال يهاجمون قانون ” سيداو ” وكأنه خلق جرائم عرض و شرف دَخيلة على “طهارة مجتمعهم القذر”، بينما لم يتركوا شيئًا إلا ساكنوه بدءا من العادة السرية إلى الحجر، والمدر، والبهائم من حمير وكلاب ، و مواقع الإباحية و كل ما هو أدنى منزلة من الإنسان.

 

وحين جاء القانون ليضع مرآةً ساطعة أمام وجوههم، ارتعبوا لا من الفعل، بل من المجاهرة بالفعل. كأنّ النفاق صار عقيدةً بديلة يحكمون بها الناس، ويدفنون تحتها ذنوبهم.

 

والأخطر أنّ هذا القانون لم يأتِ في زمن رجولةٍ صادقة أو نساءٍ عفيفات؛ بل أتى في زمنٍ انهارت فيه القيم، وصار الرجل أول من ترك كتاب الله وراء ظهره يوم كان القانون يوافق هواه ويقف في صفّه. هم لا يغضبون اليوم دفاعًا عن الشريعة، فهم لم يتخذوها يومًا مرجعًا، بل يغضبون لأن امتيازاتهم تُنتزع من بين أيديهم كما تُنتزع لعبةٌ من يد طفلٍ مدلل.

 

إنّهم لا يحتجون على مخالفة الشرع، بل على تهديد العرش الوهمي الذي أقاموه لأنفسهم. يغضبون لا لأن المرأة تجاوزت حدود الله، بل لأنها اقتربت من حدودهم هم. إنّهم يخافون المساواة أكثر مما يخافون المعصية؛ فالمعصية يمكن سترها، أما المساواة فهي زلزال ينسف الامتيازات من جذورها.

تقولون قانون ” سيداو ” يخالف ما جاء في كتاب الله ، فهل إتبعتم أنتم ورجالكم و نسائكم تعاليمه يومًا؛ فصفاء أحكامه لا يوافق كدر نفوسكم ولا يضبط شهواتكم التي لا تعرف حدودًا. كل ما عندكم خفاءٌ ومداهنة، تُعاملون المرأة التي كرّمها الله كما لو كانت سلعة تعرض في سوقٍ رخيص. غضبكم ليس من غيرةٍ على العرض، بل من امتيازاتٍ تخشون زوالها إذا استعادَت المرأة بعض من حقها.

 

لقد كنتم تقربون الفاحشة مع فتيات الليل بلا ثمن، وتحوّلون مساكنكم إلى أوكار سرّية، ثم في حديث المقاهي تمنعون المرأة من اتخاذ بيت تستر فيه نفسها وأطفالها.

 

انظروا إلى مريم البتول عليها السلام عاشت لوحدها في محرابها، فكانت أطهر من نساء بني إسرائيل اللواتي أحاطتهن العائلة من كل جانب، لكنهن غرقن في الرذيلة. الطهر لا يُمنح بالعيش مع رجل، بل بالصدق مع الله.

 

وها هي فحوص الجينات DNA تفضح المستور كم من رجالٍ اكتشفوا أن أبناءهم ليسوا من صلبهم؟ أليس أكرم أن يُنسب الطفل إلى أمّه التي ولدته، بدل أن يُلصق قسرًا برجل لا يعرفه؟

 

أما “سيداو”، فما فعله إلا أن جعل السرّ ظاهرًا من كانت تُنافق وتخفي علاقاتها باتت تفعلها علنًا. من كانت تتصنّع العفّة، كشفتها الأرقام والفضائح. فأي عفّة تتشدّقون بها، ومجتمعاتكم غارقة في الزنا بما تجاوز ثمانين في المئة؟ أي طُهرٍ هذا الذي تدّعون الحفاظ عليه؟

 

إن هذا القانون لم يأتِ ليفسد مدينة الملائكة المحصنة من دخول الشياطين، بل ليعرّي مدينة المنافقين. لم يهبط على قومٍ أطهار، بل على بشرٍ يختبئون خلف أقنعة دينية فيما هم غارقون في الوحل. جاء لا ليحمّل النساء خطايا جديدة، بل ليكشف عن خطاياكم القديمة.

 

أليس فيكم رجل رشيد ، إذا كان من بينكم رجالًا فرسانًا أو نساءً عفيفاتٍ ظلموا ، لكان لكم الحق في أن تحتجّوا. لكنكم لم تكونوا ولن تكونوا. وإن كان حمزة بن عبد المطلب صاح في قريش ردها عليا إن إستطعت!، فها هو صوته يتردّد في زمانكم ليكشف نفاقًا أشدّ سوادًا.

 

فلماذا إذن أصبح القانون فجأة “مخالفًا للدين والشريعة”؟ أي حشمة هذه التي تتحدثون عنها، ونسبة الزنا في مجتمعاتكم تجاوزت 80%؟ من أين جئتم بمفهوم العفّة لتدّعوا أن القانون سيخرج بناتكم منها، وهل كنّ أصلًا محصنات؟!

•••

• أثبت دراسات أوروبية أجريت عام 2014، قُدِّر عدد المشتغلات بالجنس بعشرات الآلاف، بينما أشارت تقارير صحية عام 2015 إلى أن العدد في إحدى الدول العربية وحدها تجاوز الخمسين ألفاً. كما دفعت الاعتبارات الاجتماعية بعض النساء إلى اختيار أماكن بعيدة لممارسة هذا العمل، بحيث تعمل نساء من بلد في بلد آخر مجاور أو مختلف، وفق ما تسمح به الظروف الاجتماعية والاقتصادية.

 

• وفي عام 2016 نُشر تقرير إخباري عالمي نقلاً عن منصات متخصصة، كشف عن قائمة أكثر عشر دول بحثًا عن المواقع الإباحية في العالم، كان بينها عدد من الدول الإسلامية. وتؤكد شهادات محلية أن نسبة معتبرة من الأزواج في بعض المجتمعات العربية مدمنون على هذه المواقع، كما أن أغلب مستخدمي برامج تجاوز الحجب يتركّز بحثهم على المحتوى الإباحي.

 

• وتشير إحصاءات رسمية في بعض الدول المغاربية إلى تسجيل آلاف الولادات سنوياً خارج النطاق الشرعي بسبب العلاقات غير الرسمية، وانتشار ظاهرة الأمهات العازبات. كما يتم توثيق أكثر من ألف حالة اعتداء جنسي في السنة، تدفع بعض الضحايا إلى الإجهاض أو الولادة في أماكن غير رسمية خوفاً من الفضيحة والعار الاجتماعي.

 

• في الوقت نفسه، تحصي جمعيات حقوقية عشرات الآلاف من حالات الولادة غير الشرعية سنوياً خارج المستشفيات، بما في ذلك حالات الزواج العرفي، الذي يُعتبر أحد أسباب هذه الولادات. وتذهب بعض التقارير الحقوقية إلى أن العدد الحقيقي في تزايد متواصل، حيث يولد آلاف الأطفال كل سنة في ظروف غامضة، وسط وجود شبكات منظمة تتاجر ببعض هؤلاء الأطفال.

 

• كما صرّحت ناشطات حقوقيات بأن ظاهرة الأمهات العازبات تُسجَّل يومياً بأعداد كبيرة في بلدان عربية عدة، إذ يولد يومياً مئات الأطفال خارج مؤسسة الزواج، ويتخلى المجتمع عن جزء منهم في الشوارع أو المؤسسات الخيرية.

 

وقد كشفت تقارير حقوقية وإعلامية في ما يخص الاعتداءات الجنسية على الأطفال، أن الأرقام متضاربة بشكل كبير بسبب إحجام الأهالي عن التبليغ خشية الفضيحة. وتقدّر بعض المصادر أن ما يصل إلى 75% من هذه الحالات لا يُبلّغ عنها إطلاقاً. ورصدت المؤسسات الحقوقية مئات الحالات في سنة واحدة فقط، وهي تلك التي سُجِّلت رسمياً أو نُشرت في وسائل الإعلام المحلية.

 

•••

 

هذا القانون لم يفسد مجتمعًا طاهرًا، بل كشف عورات مجتمع ملتوي متلاعب يختبئ وراء قناع الفضيلة وهو غارق خلف قضبان الرذيلة بكل تفاصيلها.

هذا القانون لم يأتِ ليعسّر عليكم حياتكم، بل جاء ليكشف عوراتكم

فهو لم يفرض على مجتمع من المؤمنين، بل جاء ليخرج أضغانكم ونفاقكم. جاء يعرّي المستور، ويكشف عن عفة لم تكن قائمة أصلًا إلا على ألسنتكم.

هل فرض علي نساءكم جميعا وهن أبكار متحجبات ملتزمات؟

 

أما أرقام و العصر إن الإنسان لفي خسر فشاهدة على دعم المحاكم وقضائكم ،اغتصاب الأطفال، و نشر زنا المحارم، التي تفشّت بينكم مع رذيلة اللواط، والمثلية التي صارت زواجًا يُعقد علنًا، وبناتكم فاحت فضائحهن عبر الشاشات ومواقع التواصل.

فهل “سيداو” هو الذي أخرجهن من العفّة، أم أنها كانت كذبة كبيرة وهي تتساقط الآن عبر القانون؟

إنه قانون فضح أنكم لم تكونوا تتبعون دينًا من الأساس.

 

البيدوفيليا و المثلية ففي عام 2024 بلغت خمسين في المئة، وحمل المراهقات المسلمات كما تدعون تجاوز ثلاث عشرة في المئة. وكل ذلك لم يخلقه قانون، بل أخرج للعلن ما كنتم تمارسونه في الخفاء.

 

اليهود الذين غذّيتم حربهم عليكم بالمؤونة و دعمتم جرائمهم بأموالكم وصمتكم، لم يفرضوا عليكم هذا القانون إلا بعد أن رأوا عُريكم على شاشاتكم و أنتم تهذون بالهراء. رأوا أن شغل الرجل العربي الشاغل ، صار مراقبة جسد ومؤخرة المرأة وقياس مفاتنها، سلعةً للذة لا شريكةً في الحياة. فكتبوا تشريعاتٍ على مقاس قذارتكم، لا على مقاس قداسة دينكم.

 

أعطوا المرأة جزء من حقّها، فهي التي تلد وتربّي وتُدرّس. وهي التي أُهينت مرارًا حين قدّمت جسدها لكم كسلعة بخيسة ، و منحتكم مالها كما لم تفعل مومس، وعبّدت طريق روحها لمن خانها وتركها بضاعةً مستعملة. القانون لم يخترع مشكلتكم، بل صورها وعكسها في مرآة.

 

سقطت هيبة الرجل يوم هجر سجادة صلاته، وأدار ظهره للقرآن الكريم الذي يُنير العقول، فعاش غريبًا عن روح الله، غريبًا عن نفسه.

سقطت هيبته حين غدت كلماته سمًّا يتسرب إلى قلب الفتاة، همزًا ولمزًا وإيحاءً رخيصًا، يطلب من الطاهرة أن تلبس ثوب المومس.

سقطت هيبته يوم صار الكهل يلاحق ابنة العشرين، أو يستبيح طفلةً باسم زواجٍ هو في جوهره اغتصابٌ، فيلهث وراء شهوة عابرة، بينما تنهار القيم من حوله.

 

سقطت هيبته يوم ستر المجرمة التي فقدت عذريتها وأهمل المؤمنة، وقَبِلَ بفتات رجالٍ سبقوه، كمن يقتات على بقايا الموائد.

سقطت هيبته يوم بخل على زوجته وأطفاله، وجعل المرأة هي من تنفق وهو المتبجّح بالرجولة، حتى صار بيته خرابًا وهو في الأسواق ناطقًا كالعجائز، ناقلًا للأقاويل، تاركًا عرضه وعرض وطنه يُنتهك بلا حراك.

 

سقطت هيبته حين غرق في فضائح الشاشات والمطابخ، فصار يلهث وراء جسد الممثلة، بينما يخون زوجته مع جارتها، أو مع عاملة النظافة، أو خادمة بيته، أو مع أي ظلٍّ يمر أمامه.

سقطت هيبته يوم صار بلا كلمة، بلا وعد، منافقًا كاذبًا، يضرب بضعفٍ ويعنف بجبنٍ، فيُشبه النساء فيما ليس فيهن شرف، بل في غيرتهن المريضة وحسدهن السقيم.

 

سقطت هيبته يوم غرق في لذة العادة السرية خلف عدسات الكاميرات أو في مخدرٍ أو خمرٍ، حتى صار ظلًّا مترنحًا بلا وعي، أو لصًّا يسطو على ميراث أخته وأموال اليتامى، أو موظفًا يسرق ساعات العمل.

سقطت هيبته حين لم يترك حضن أمه، يستفتيها في كل صغيرة وكبيرة، فصار رجلًا جسدًا، طفلًا عقلًا.

 

سقطت هيبته حين صار لا يفكر سوى في مجرد رغيف يملأ بطنه وفراش يسد عطش شهوته، لا يعرف معنى الطموح، لا إنجاز له ولا فكر،

سقطت هيبته بينما هو يرقص ويغني ليستر عجزه، يبتاع الفياجرا ليغطي ضعفه، ويفتخر برجولةٍ لم يبقَ منها سوى سفاهة عقل.

 

هنا لم تعد المرأة ترى فيه رجلًا، بل شبحًا متضخم الصوت فارغ الروح.

 

لقد غالى الرجل في صبغ شعره، وفي التزيّن بمساحيق النساء، وفي تضييق سراويله كالمراهقين، وغرس الوشوم في جلده… فانمحت منه صورة الرجولة.

وغالت المرأة في استبدال الطهر بالتبرج، فتمّيعت وإنمحت منها صورة العفّة.

 

سقطت هيبته حين جفّت منه العاطفة، فلم يعرف للحنان معنى ولا للإحساس طريقًا.

سقطت هيبته حين حاصر المرأة بالرقابة والشك، وأغلق عليها الأبواب كأنها أسيرة، فبان ضعفه وانكشفت عورته وانعدمت ثقته بنفسه.

وسقطت هيبته حين غلا في وساخته أو تطرّف في نظافته، وحين غاب غاب هائمًا بلا عمل، وحين خرج عاد مثقلا ببعض فتات المسؤولية يجرّها على كتفيه كأنها أثقال الجبال.

 

• وسقطت هيبته حين تقدّم لامرأة عرف أنها عرفت رجالًا قبله، ورغم ذلك مدّ يده طالبًا ودّها، فاحتقرته في سرّها، ولم تر فيه إلا ذكرًا يشبهها لا رجلًا تفنى بين يديه. فتمرّدت عليه واستقوت، لأنه في عينها لم يعد رجلا أصلا.

 

حين تهاوت هيبة الرجل، وتشبّه بالمرأة، اختلّ ميزان الفطرة؛ فمال الرجل إلى الرجل، والمرأة إلى المرأة.

وهنا ماتت الهيبة، لا لأن المرأة تمردت، بل لأن الرجولة انتحرت و الأنوثة تمزقت.

 

• وسقطت هيبة المرأة كذلك، لما عرضت نفسها كسلعةً رخيصة، تُباع وتُشترى. لما زيّنت جسدها لإثارة غريزة، لا لتكريم ذاتها. لما تصنّعت العهر تحت قناع الزينة، فلم يرَها الرجل إلا عابرة لذّة، فإذا انقضت المصلحة، سقطت قيمتها معه.

 

فإذا ما عظّمت المرأة نفسها، وصانت كرامتها، ارتجف الرجل رعبا أمامها، وارتبك في حضرتها، وعلم أنّه أمام هيبةٍ لا تُمسّ ولا تُدنّس.

 

وهنا جاء هذا قانون ” سيداو ” كواقع، لا كسيف لم يُسقط هيبة الرجل، ولا عفّة المرأة، ولا قدسية العائلة. بل كشف الحقيقة المرة أن السقوط قد وقع من قبل، بأيديهما معًا، وبأفعالهما سويًا، قبل أن يُكتب في أي قانون.

 

،،؛،ولو خُيِّر الأعراب بين غلقِ ملاهٍ صاخبة أو تمرير قانون سيداو، لمالوا إلى القانون، كأنّ الخطر في الرقص أعظمُ عندهم من الخطر في تذويب الشريعة.،؛،

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock