سيناريوهات الضربة الأمريكية المحتملة ضد إيران…تقليم الاظافر ام قطع اليد ؟
بقلم:احمد شتيه

لم يعد الحديث عن ضربة أمريكية محتملة ضد إيران مجرد تكهنات إعلامية أو تسريبات مراكز أبحاث، بل بات جزءًا من نقاش سياسى وإستراتيجى جاد داخل دوائر صنع القرار فى واشنطن.
الجديد هذه المرة لا يتعلق فقط بالملف النووى أو بالتهديد الإيرانى للمصالح الأمريكية، وإنما بتوظيف ورقة “حماية المتظاهرين” كحجة أخلاقية وسياسية تمنح أى عمل عسكرى غطاءً مختلفًا عن السابق.
تدفع الولايات المتحدة، فى خطابها المعلن، باتجاه تصوير أى تصعيد ضد إيران باعتباره دفاعًا عن حقوق الإنسان وحماية للمتظاهرين الذين يواجهون القمع الداخلى.
هذه الحجة تمنح واشنطن عدة مكاسب:
شرعنة التدخل أمام الرأى العام الغربى الذى بات أكثر حساسية لقضايا الحريات وتخفيف حدة الانتقادات الدولية مقارنة بتبرير الضربة بالاعتبارات الجيوسياسية فقط ، إحراج النظام الإيرانى بوضعه فى مواجهة مباشرة مع الرأى العام العالمى.
غير أن هذه الحجة، رغم بريقها الأخلاقى، تظل محل تشكيك واسع، إذ يرى كثيرون أنها غطاء سياسى لهدف أعمق يتمثل فى كبح النفوذ الإيرانى وضبط سلوك طهران إقليميًا، لا حماية الداخل الإيرانى بالمعنى الحقيقى.
والسؤال المطروح الآن عن نوعية الضربة.. هل ستكون جراحة عسكرية ام حرب شاملة؟
المؤشرات العسكرية تفيد بأن واشنطن لا تميل إلى خيار الحرب المفتوحة، بل إلى ضربة “جراحية” عالية الدقة، هذا النوع من الضربات قد يشمل: مراكز قيادة وسيطرة مرتبطة بالحرس الثورى ، منشآت أمنية يُتهم النظام باستخدامها فى قمع المتظاهرين ، قدرات سيبرانية وإلكترونية لتعطيل شبكات الاتصال والمراقبة.
الهدف هنا ليس إسقاط النظام، بل إضعاف أدواته، وإرسال رسالة مفادها أن كلفة القمع الداخلى والتصعيد الخارجى باتت مرتفعة.
وهناك بعض السيناريوهات المطروحة أمام واشنطن، لكل منها حساباته ومخاطره:
سيناريو الضربة الرمزية ، ضربة محدودة للغاية، تهدف إلى تسجيل موقف سياسى وأخلاقى دون تغيير جذرى فى ميزان القوى. هذا السيناريو يرضى الداخل الأمريكى لكنه قد يُفسَّر فى طهران على أنه ضعف.
سيناريو الضربة المؤلمة : استهداف نوعى يطال بنية أمنية أو عسكرية حساسة، مع استعداد لتحمل ردود فعل محدودة من إيران عبر أذرعها الإقليمية، هذا الخيار هو الأكثر توازنًا بين الردع وتفادى الانفجار الكبير.
سيناريو الانزلاق غير المقصود: وهو الأخطر، حيث تبدأ الضربة محدودة لكنها تستدعى ردًا إيرانيًا واسعًا، ما يفرض على واشنطن توسيع العمليات ، هنا تتحول الحسابات الدقيقة إلى مواجهة مفتوحة يصعب ضبط إيقاعها.
هناك انعكاسات خطيرة لهذه الضربة المحتملة على المنطقة ، فأى تصعيد أمريكى ضد إيران، حتى لو كان تحت شعار حماية المتظاهرين، لن يبقى داخل الحدود الإيرانية. فالمنطقة مرشحة لـاشتعال ساحات الوكالة من العراق إلى لبنان واليمن ، تهديد طرق الطاقة والملاحة الدولية ،
تصاعد الضغوط على الدول العربية لاتخاذ مواقف واضحة فى صراع لا تملك مفاتيحه.
فى تقديرى، توظيف واشنطن لورقة “حماية المتظاهرين” يعكس إدراكها لصعوبة تسويق أى عمل عسكرى بلغة المصالح فقط.
لكنها، فى الوقت ذاته، لا تبحث عن تغيير النظام بقدر ما تسعى إلى إعادة ضبط السلوك الإيرانى داخليًا وخارجيًا.
الضربة، إن حدثت، ستكون محسوبة ومحدودة، لكنها تحمل خطرًا حقيقيًا يتمثل فى أن إيران قد تختار الرد فى ساحات بعيدة عن أراضيها، لتدفع المنطقة مرة أخرى إلى حافة الاشتعال.
وبين الحسابات الأخلاقية المعلنة والمصالح الإستراتيجية الخفية، يبقى الشرق الأوسط هو الساحة المفتوحة لدفع الثمن الأكبر.



