أخبار مصر

شم النسيم.. عيدٌ يعبر الزمن ولا يشيخ

متابعة أشرف ماهر ضلع 

 

يحتفل المصريون بعيدٍ لا يشبه غيره،في صباحٍ تتفتح فيه الأرض كأنها تبتسم، عيدٍ لم يولد في كتب التاريخ بل كُتب فيها منذ آلاف السنين. إنه شم النسيم، ذلك العيد الذي خرج من قلب الحضارة المصرية القديمة، وما زال ينبض في وجدان شعبٍ عرف كيف يحفظ ملامح الفرح عبر العصور.

تعود جذور هذا العيد إلى زمن الفراعنة، حين أطلق عليه اسم “شمو”، رمزاً لبداية الربيع وموسم الحصاد، حيث كان المصري القديم يخرج إلى الطبيعة احتفالاً بتجدد الحياة وانتصار النور على ظلمة الشتاء. لم تكن المناسبة مجرد نزهة، بل طقساً وجودياً يحمل فلسفة كاملة عن الخلق والبعث والاستمرار.

وعبر القرون، لم ينكسر خيط الحكاية، بل امتد بسلاسة من العصر الفرعوني إلى القبطي ثم الإسلامي، محافظاً على جوهره الشعبي الجامع. ومع تغير الأزمنة، بقيت الطقوس كأنها ذاكرة حية ترفض النسيان. فتلوين البيض ما زال يرمز لبدايات الحياة، بينما تتصدر الأسماك المملحة، كالفسيخ والرنجة، موائد الاحتفال، حاملة معها عبق النيل وأسرار القدماء في حفظ الطعام.

اليوم، تتجدد الصورة في الحدائق والمتنزهات، حيث تتلاقى العائلات تحت شمس ربيعية دافئة، وتُبعث الحياة في تفاصيل بسيطة لكنها عميقة الدلالة. يضحك الأطفال بألوان البيض، ويتبادل الكبار ذكريات لا تُروى، وكأن الزمن يلتف حول نفسه ليعيد مشهداً قديماً بروح حديثة.

ورغم ما يثار من جدل حول بعض مظاهر الاحتفال، يظل شم النسيم أكثر من مجرد عيد موسمي؛ إنه حالة مصرية خالصة، تتجاوز حدود الدين وتوحد القلوب حول معنى واحد: الاحتفال بالحياة.

هكذا يستمر شم النسيم، ليس كذكرى من الماضي، بل كنبضٍ متجدد، يهمس في أذن كل مصري: هنا بدأت الحكاية… وهنا لن تنتهي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock