
بين جدران بيتٍ كان يملأه الفرح بقدوم طفلة انتظرها الجميع، وقعت الفاجعة التي لم تكن في الحسبان. في سن الثالثة، وبسبب حادث غريب، زحف الشلل إلى جسدي الصغير كاللص المحترف، واشتعلت النيران في رأسي بحمى لم ترحم طفولتي، وكأن القدر يختبر فينا الصمود مبكراً. هناك، وسط ذهول الجميع وبكاء البيت الذي تزلزل لأصابة طفلة طالما انتظروها، وقفت أمي كطودٍ شامخ لا ينحني، تقاوم الإعصار بقلبها لا بيدها فحسب.
لم تكن أمي مجرد امرأة بسيطة، بل كانت مهندسة للحب والنجاة؛ حين خاف الجميع على المخ من أثر الحمى المستعرة، ابتكرت بذكاء الأمومة الفطري تلك “الوسادة المربعة ناقصة الضلع”، لتحتضن رأسي وتثبته في مخدعها، وكأنها تمنع الموت والضياع من النيل مني. قضت الليالي الطوال لا تذوق طعماً للنوم، تراقب أنفاسي القلقة وتناجي ربها، بينما كانت أختي الكبرى -ذات الأعوام الاثني عشر- تتحول بلمحة بصر إلى سيدة للمنزل، تضحي بطفولتها في غياب أمي التي اتخذت من ردهات المستشفيات مقاماً وسكناً لسنوات.
بين طرقات المشافي الباردة وجلسات الكهرباء المؤلمة، وبين وخز الإبر الصينية ورهبة العلاج بالماء، كانت أمي هي القوة التي لا تنضب واليقين الذي لا يتزعزع. لم تترك باباً للأمل إلا وطرقته، ولم تملّ يوماً من حملي والركض بي نحو فجر الشفاء، بينما كانت جدتي الحنون هي الظل الذي يرافقني في مدرستي القريبة، تحملني في قلبها قبل ذراعيها، وتأتيني في “الفسحة” لتمسح على رأسي وتطعمني، لتكون لي هي الأخرى أماً ثانية تفيض حناناً أفتقده في غياب أمي المشغولة بكفاح العلاج.
كبرتُ، وكبرت معي تضحيات أمي التي ظلت في ظلي سنداً ومعيناً. في الثانوية، تجلت آيات كفاحها؛ فكانت تنتظر “آنسة البيت الصغيرة” تحت السلم ومعها الطعام، لتوفر عليّ عناء الصعود والنزول بجسدي المتعب، لكي ألحق بصفوف العلم والدروس في المسجد، وأعود في منتصف الليل فأجدها بانتظاري بقلبٍ يرفرف خوفاً وشوقاً. وعندما بلغت الجامعة، وبينما كنت أستعد لقطف ثمار تعبها المر، رحل أبي.. رحل السند الذي كان لأمي وطناً، فقد رباها طفلة وزوجة منذ كانت في الرابعة عشرة.
هنا، اختبرت أمي أقصى درجات الانكسار النفسي؛ فقدت رفيق الدرب الذي تشكلت شخصيتها على يديه، فكان لزاماً عليّ أن أتحول من ابنةٍ تتلقى الرعاية إلى عكازٍ صلب تتكئ عليه روحها المثقلة. توجت رحلتنا بنجاحي كمعلمة للدراسات الاجتماعية، وذاع صيتي بفضل دعواتها التي كانت تفتح لي الأبواب المغلقة، وصرت أنا رب الأسرة الذي يفيض سعادةً لرد الجميل، لكن الأقدار لم تكتفِ، فجاءت الحوادث المتتالية لتقعدني الفراش مرة أخرى وتكسر فينا فرحة الاستقرار.
في سنواتها الأخيرة، وفي مشهدٍ تذوب له القلوب، تبدلت الأدوار؛ صارت أمي طفلتي المدللة، وصرتُ أنا القعيدة أمها التي ترعاها بعينيها وصبرها. كانت فترة مشحونة بالألم، لكنها كانت أثمن لحظات العمر، حيث عشت معها لحظاتٍ استعدتُ فيها ذكريات تلك السيدة العظيمة التي شكلت حياتنا جميعاً. رحلت أمي، ورحل معها العالم، وانطفأ المصباح الذي كان ينير عتمة أيامي. رحلت من علمتني أن المستحيل كلمة لا وجود لها في قاموس من يملك قلباً كقلبها رحمة الله عليكِ يا من صنعتِ المستحيل…..



