صحف وتقارير

صراع الإرادات والندية السيادية كيف أجهضت القاهرة مخططات الهيمنة وتفوقت استخباراتياً؟

كتبت /منى منصور السيد

 

في قراءة تحليلية معمقة تستند إلى المعطيات والمواقف التي كشف عنها اللواء سامي دنيا، يبرز المشهد المصري-الأمريكي كواحد من أعقد ملفات “صراع الإرادات” في العصر الحديث، حيث لم تكن العلاقة بين القاهرة وواشنطن يوماً مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل هي سلسلة من المعارك الصامتة التي خاضتها الدولة المصرية للحفاظ على استقلال قرارها الوطني. ويتجلى ذلك بوضوح في الرفض المصري القاطع للمطالب الأمريكية المتكررة بإنشاء قواعد عسكرية أجنبية على الأراضي المصرية، سواء في قاعدة “محمد نجيب” أو قاعدة “برنيس”، تحت ذريعة محاربة التنظيمات الإرهابية في ليبيا أو اليمن، وهو الموقف الذي امتد ليشمل رفض أي مشاركة لقوات أمريكية في العمليات ضد تنظيم “داعش” في سيناء، تأكيداً على عقيدة عسكرية راسخة تؤمن بأن تأمين التراب الوطني مسؤولية حصرية وخالصة للجيش المصري، بعيداً عن أي تدخلات قد تفرض أجندات خارجية تحت غطاء التعاون الأمني.

وعلى صعيد المواجهة المخابراتية، يتوقف المحللون أمام واحدة من أخطر العمليات التي خاضتها الأجهزة المصرية، وهي عملية “الكربون الأسود” (Black Carbon) التي كانت بمثابة ضربة استراتيجية استهدفت كسر الاحتكار الأمريكي لتقنيات الصواريخ البالستية وطائرات الشبح. فمن خلال الحصول على مادة “الكربون الأسود” التي تُستخدم كطلاء حراري لرؤوس الصواريخ لتقليل الاحتكاك وتوفير حماية هائلة عند إعادة دخول الغلاف الجوي، نجحت العقلية المصرية في منح منظوماتها الصاروخية قدرة فائقة على التخفي وتجاوز أحدث أنظمة الدفاع الجوي، مما أوجد حالة من الردع التكنولوجي المباشر. وبحسب ما أورده اللواء سامي دنيا، فإن مصر لم تكتفِ بالنجاح التقني، بل أدارت ملف “تبادل الأصول” بندية فائقة، حيث تم استعادة عالم الصواريخ المصري الدكتور عبد القادر حلمي من الإقامة الجبرية في أمريكا، مقابل تسليم جواسيس كانوا يعملون تحت ستار منظمات حقوقية وأهلية، مما كشف تبعية هذه المنظمات للأجندات السياسية الدولية.

وفي المسار الدبلوماسي الخشن، أثبتت الدولة المصرية قدرة فائقة على المناورة الاستراتيجية وإجهاض المخططات الرامية لتصفية القضية الفلسطينية عبر ما عُرف بـ “صفقة القرن”، معلنةً رفضاً تاماً لأي مساس بالسيادة على سيناء، وقادت في الوقت ذاته حراكاً دولياً في الأمم المتحدة ضد قرار اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، وهو التحرك الذي أجبر واشنطن على استخدام “الفيتو” ضد الإجماع الدولي الذي قادته مصر. هذا الاستقلال في القرار امتد ليشمل ملفات دولية شائكة، برفض مصر إمداد أوكرانيا بدبابات “أبرامز” رغم الضغوط المكثفة، والرد السيادي الصاعق على الاستفسارات الأمريكية بشأن مستوى العلاقات مع كوريا الشمالية، مؤكدة أن علاقاتها الخارجية هي “أمر سيادي” لا يحق لأحد التدخل فيه، مما يرسخ مبدأ “تعدد الأقطاب” في السياسة المصرية المعاصرة.

إن ما كشف عنه اللواء سامي دنيا يضع النقاط على الحروف في فهم طبيعة القوة المصرية الحالية، فهي دولة لا تكتفي برد الفعل، بل تملك زمام المبادرة وتمتلك في جعبتها من المفاجآت ما يذهل الخصوم، خاصة بعد نجاحها في إسقاط مشروع “الإسلام السياسي” وفضح صناعة الفوضى في المنطقة. هذا الصمود الاستراتيجي يثبت أن مصر “شعباً وجيشاً ورئيساً” ترفض التبعية وتتمسك بقرارها المستقل، مؤكدة أن “غداً لناظره قريب” وأن التاريخ يسجل اليوم فصولاً جديدة من السيادة المصرية التي تُدار بحكمة وصمت وقوة لا تلين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock