
هل تخوض الولايات المتحدة معاركها حقا من اجل البرنامج النووي الايراني ام ان المشهد اعمق بكثير مما يبدو على السطح.
في خضم الحديث الدائر حول ايران وخامنئي واسرائيل والانقسامات الدينية والسياسية يظهر مسار مختلف تماما يقود الى فهم اشمل لما يحدث.
الحرب الحقيقية لا تدور في مكان واحد بل تمتد عبر جبهات متعددة تحمل هدفا واحدا
اذا نظرنا الى ما جرى في فنزويلا نجد ان الولايات المتحدة نفذت عملية انتهت باعتقال مادورو وهو ما اعتبره البعض سقوطا لنظام بينما وصفه اخرون بانه انتهاك للقانون الدولي.
لكن السؤال الاهم الذي غاب عن الكثيرين من كان المستفيد الاكبر من نفط فنزويلا الاجابة هي الصين التي كانت تستورد مئات الاف البراميل يوميا ومع غياب مادورو توقف هذا المسار
ثم ننتقل الى ايران حيث التصعيد العسكري والضربات التي استهدفتها وما تبعها من حديث عن نهاية التهديد النووي وبين مؤيد ومعارض تكرر نفس السؤال من كان المستفيد الاكبر من النفط الايراني الاجابة ايضا الصين التي فقدت مصدرا رئيسيا اخر للطاقة.
رغم اختلاف الجغرافيا والذرائع الا ان النتيجة واحدة وهي تقليص امدادات الطاقة الى الصين
هذا ليس صدفة بل يندرج ضمن صراع اكبر بين قوة قائمة واخرى صاعدة وهو ما تحدث عنه المفكر الاقتصادي راي داليو حين اشار الى ان اقتراب قوة جديدة من القمة يجعل الصدام امرا حتميا
التاريخ يعيد نفسه من صعود المانيا ومواجهتها لبريطانيا الى صعود اليابان ثم الاتحاد السوفيتي وصولا الى المواجهة الباردة مع الولايات المتحدة.
اليوم تقف الصين في نفس المسار حيث تقترب من تصدر الاقتصاد العالمي مع نسبة انتاج ضخمة تجعلها منافسا مباشرا لواشنطن
لكن الصين تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة وهو ما يمثل نقطة ضعف واضحة في بنيتها الاقتصادية
لذلك تتحرك الولايات المتحدة لقطع خطوط الامداد عبر عدة جبهات من فنزويلا الى ايران مرورا بروسيا التي تواجه عقوبات وصولا الى تغيرات في اسواق الطاقة العالمية
بهذا الاسلوب لا تحتاج واشنطن الى مواجهة مباشرة بل يكفي الضغط على مصادر الطاقة لاحداث تأثير تدريجي على الاقتصاد الصيني
وفي الوقت نفسه تعمل الصين على مشروع ضخم هو طريق الحرير الحديث الذي يهدف الى ربط اسيا باوروبا وافريقيا وتعزيز نفوذها الاقتصادي
هذا المشروع كان يمثل تحديا كبيرا للولايات المتحدة خاصة مع توجه بعض الدول الاوروبية لتعزيز علاقاتها التجارية مع بكين
لكن ضرب الاستقرار في مناطق محورية مثل ايران يعطل هذا المسار ويؤثر على حركة التجارة والطاقة معا
يبقى الملف الاكثر حساسية وهو تايوان التي تمثل مركزا عالميا لصناعة الشرائح الالكترونية المتقدمة وهي عنصر اساسي في الاقتصاد والتكنولوجيا الحديثة
الصين تعتبرها جزءا من اراضيها بينما تؤكد الولايات المتحدة دعمها لها وهو ما يجعلها نقطة اشتعال محتملة في اي لحظة
في هذا المشهد تتداخل المصالح حيث تحقق الولايات المتحدة مكاسب متعددة من اضعاف منافسها الى تعزيز نفوذها وبيع السلاح لدول المنطقة التي تسعى لتأمين نفسها وسط التوترات
هكذا تبدو الاحداث متفرقة لكنها في جوهرها تعكس استراتيجية واحدة هدفها اعادة تشكيل موازين القوة عالميا
الحرب ليست مجرد صراعات منفصلة بل معركة كبرى تدور في الخفاء عنوانها الحقيقي الصين



