أخبار مصر

صفقة القرن المصرية تعيد رسم خريطة النفوذ المصرى فى إفريقيا

كتب/ أيمن بحر

تتجه الأنظار خلال الأيام المقبلة إلى قلب القارة الإفريقية مع استعداد الرئيس عبد الفتاح السيسى لزيارة تنزانيا فى حدث يحمل أبعادا سياسية واقتصادية واستراتيجية بالغة الأهمية وذلك تلبية لدعوة رسمية لحضور افتتاح سد جوليوس نيريري أحد أضخم المشروعات التنموية فى القارة وأبرزها خلال السنوات الأخيرة وهو المشروع الذى بات يوصف بأنه صفقة القرن المصرية فى إفريقيا

سد جوليوس نيريرى لا يمثل مجرد مشروع بنية تحتية ضخم تنفذه مصر خارج حدودها بل يعكس تحولا استراتيجيا فى طريقة عودة مصر إلى عمقها الإفريقى عودة قائمة على المصالح المشتركة والاستثمار الحقيقى والتواجد الفعلى على الأرض فالمشروع الذى تنفذه شركات مصرية عملاقة وعلى رأسها المقاولون العرب والسويدى إلكتريك يعد رسالة واضحة بأن مصر تمتلك القدرة الفنية والهندسية والاقتصادية لتنفيذ أعقد المشروعات في أصعب البيئات

المشروع يأتى فى توقيت بالغ الحساسية حيث شهدت القارة الإفريقية خلال فترات سابقة تراجعا نسبيا في الحضور المصري ما أتاح المجال لقوى أخرى لمحاولة ملء الفراغ إلا أن القاهرة اختارت العودة من بوابة القوة الاقتصادية وليس فقط من بوابة التاريخ والماضي المشترك فالعلاقات الدولية لم تعد تبنى على الشعارات وحدها بل على المصالح والمكاسب المتبادلة وهو ما يجسده سد جوليوس نيريري بكل وضوح

أهمية المشروع لا تتوقف عند كونه مصدرا لدخل قومى مصرى من خلال عقود التنفيذ والإدارة بل تتجاوزه ليصبح مشروع نفوذ وتواجد استراتيجى طويل الأمد فمصر تشارك فى الإشراف على تشغيل السد بما يمنحها حق انتفاع ويعزز من وجودها المؤسسى داخل تنزانيا ويؤكد الثقة الإفريقية فى الخبرة المصرية كما يبعث برسالة حاسمة بأن الشركات المصرية قادرة على منافسة كبرى الشركات العالمية فى تنفيذ مشروعات الطاقة والمياه

سد جوليوس نيريرى يسهم بشكل مباشر فى توفير الكهرباء لنحو ستين مليون مواطن تنزانى بعد أن بلغت قدرته الإنتاجية أكثر من ألفي ميجاوات وهو ما ضاعف تقريبا قدرة تنزانيا على إنتاج الطاقة إلى جانب دوره فى حماية البلاد من الفيضانات والسيول وتنظيم تدفق المياه والحفاظ على الغابات والثروة المائية فضلا عن توفير المياه لأغراض الري والزراعة بما يخدم أكثر من سبعة عشر مليون أسرة

من زاوية أوسع يمثل السد ضربة غير مباشرة لأي محاولات لاستخدام السدود كورقة ضغط سياسى أو اقتصادى فى الإقليم حيث يرسخ نموذجا مختلفا يقوم على التنمية المشتركة والطاقة النظيفة والتكامل الإقليمى ويعزز قدرة مصر على بناء شبكة علاقات قوية داخل حوض النيل والقرن الإفريقى عبر مشروعات مماثلة فى جنوب السودان والسودان بما يضمن حماية المصالح المصرية وتأمين مجرى النهر

اللافت فى هذا المشروع أنه يعكس أيضا شراكة ذكية بين مصر ومؤسسات التمويل الدولية حيث استطاعت القاهرة أن تلعب دور الوسيط والمنفذ في آن واحد مستقطبة التمويل التنموي الدولى وموجهة إياه لمشروعات إفريقية تنفذها بسواعد وخبرات مصرية وهو ما يفتح الباب أمام دور إقليمى جديد لمصر كمركز لتنفيذ مشروعات التنمية فى القارة

زيارة الرئيس السيسي لتنزانيا لحضور افتتاح السد تحمل دلالات سياسية مهمة فهى تأكيد على عمق العلاقات الثنائية ورسالة بأن مصر حاضرة بقوة فى إفريقيا ليس بالكلام بل بالفعل والاستثمار والتواجد العسكرى الذى يحمى هذه الاستثمارات ويصونها ويعزز من مكانة مصر كأحد أثقل المستثمرين والشركاء الاستراتيجيين فى القارة

فى المحصلة يمثل سد جوليوس نيريرى نموذجا جديدا للدور المصرى فى إفريقيا دور يقوم على المصالح المشتركة والتنمية المستدامة وبناء النفوذ الاقتصادى طويل الأمد وهو ما يجعل مثل هذه المشروعات ركيزة أساسية لتعزيز مكانة مصر وتحسين اقتصادها واستعادة ريادتها الطبيعية فى القارة الإفريقية بثقة وقوة وواقعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock