
القاهرة صيف عام 1943 ؤفى مدينة تضج بالتاريخ وتغلى بالسياسة شهد ذلك الصيف وقائع استثنائية ستترك أثرها العميق على مسار المنطقة.
الشرارة كانت مقالا قديما مجهول العنوان نشر في جريدة الأهرام لكاتب جديد مثير للجدل يدعى سيد قطب وكان يعمل مفتشا في التعليم الابتدائي.
كلمات المقال أشعلت الرأي العام المصري وأطلقت موجة غضب عارمة غير مسبوقة
مضمون المقال حمل طرحا صادما دعا فيه الكاتب إلى إباحة التعري الكامل على الشواطئ خلال أشهر الصيف وإطلاق حرية العلاقات الحسية دون التقيد بالزواج أو العرف أو ما اعتبره المجتمع قيودا أخلاقية.
وقدم ذلك بوصفه مساحة حريات شخصية لا يحق للمجتمع التدخل فيها بأي صورة
رد الفعل جاء عنيفا وسريعا.
تحولت القضية إلى أزمة عامة وتم تحويل الكاتب إلى الشؤون القانونية في وزارة المعارف العمومية الاسم القديم لوزارة التربية والتعليم.
ووجهت إليه اتهامات بالشذوذ الفكري وتدمير النشء والترويج لتطرف أخلاقي يهدد بنية المجتمع
في قلب العاصفة برز موقف شيخ الأزهر آنذاك الشيخ محمد مأمون الشناوي الذي تولى المشيخة لاحقا عام 1948 .
اعتبر المقال خطرا مباشرا وأعلن خصومة فكرية مفتوحة مع صاحبه
وأرسل مذكرة رسمية إلى وزارة المعارف يتهم فيها الكاتب بنشر أفكار شاذة مخجلة تهدد المجتمع المحافظ .
ليدخل الأزهر على خط المواجهة
الضجة الواسعة جذبت اهتمام جهات خارجية كانت تراقب المشهد المصري عن كثب
وفي مقدمتها عناصر من الوكالة اليهودية التي أولت اهتماما خاصا بكل ما يمكن استثماره داخل المجتمع المصري.
تم تكليف الحسناء يولاند هارمر بجمع كل ما يتعلق بالكاتب المثير للجدل
بدأت يولاند مهمة استخباراتية دقيقة
جمعت تفاصيل حياته من قرية موشا في أسيوط مسقط رأسه إلى أزقة القاهرة
سجلت نقاط قوته وضعفه إحباطاته طموحاته مرضه وعلاقاته
وصنعت ملفا شبه كامل عن شخصية متعددة الوجوه كما وصفتها لاحقا وثائق وكالة المخابرات المركزية.
بلغت قيمة الملف حد أن تم تبادله مع مخابرات واشنطن مقابل معلومات مهمة عام 1950
وفي القاهرة أصبح الكاتب منبوذا وحيدا يتجنبه المجتمع وتضيق به الدوائر
بينما في لندن أثار التقرير المفصل فضول الضباط فصدرت التعليمات لتنفيذ خطوة حاسمة
المهمة كانت واضحة.
إبعاد سيد قطب إلى أرض فلسطين في أسرع وقت
تم تنفيذ الخطة عبر علاقات يولاند داخل وزارة المعارف
ووضع الكاتب على رأس وفد رسمي متجه إلى القدس مع مطلع عام 1944
هكذا تحقق حل يرضي الجميع
تتخلص الوزارة من أزمة فكرية متفاقمة
ويهدأ غضب الأزهر
ويخرج الكاتب من عزلته القاسية
بينما تبدأ مرحلة جديدة ستعيد تشكيل أفكاره وتغير مسار حياته
كانت تلك الرحلة بداية منعطف تاريخي
مرحلة ستنعكس لاحقا على مستقبل الشرق المسلم
سببها مقال واحد كتب في صيف القاهرة الساخن عام 1943



