تتسارع الأحداث في سماء الشرق الأوسط وأرضه بوتيرة مُقلقة، حيث لم تعد طبول الحرب مجازاً صحفياً بل واقعاً ميدانياً محسوسا تُلمس تجلياته في كل تحرك.
فمن اجتماعات الغرف المغلقة بين القادة العسكريين الأمريكيين والإسرائيليين، إلى التصريحات المثيرة التي يقصد منها اثارة الرعب في طهران تلك التي تتحدث عن عمليات قصيرة وسريعة ونظيفة تستهدف تغيير النظام ثم إلى التحشيدات المضادة للعتاد الحربي الروسي لدعم طهران كما وصفها الدبلوماسي الروسي المخضرم فيتشسلاف ماتوزوف فإن المنطقة تتنفس هواءً ثقيلاً مشحوناً باحتمال الانفجار في أي لحظة.
في قلب هذا التصعيد، تبدو الأهداف متعددة الطبقات فوراء خطاب حماية المتظاهرين وتأكيد الجاهزية الأمريكية لأي إجراء محدود تقف استراتيجية جيوسياسية عميقة يراها المراقبون محاولة للسيطرة على واحدة من آخر ثروات الطاقة العملاقة خارج النفوذ الغربي المباشر في خطوة تذكر بسيناريوهات مشابهة ولكن اللعبة هذه المرة أخطر فهي تمتد إلى محاولة تطويق الخصم الكبير روسيا عبر وضع حليف معادٍ على حدودها الجنوبية وهو ما يفسر التحول الجذري في رد فعل الكرملين من المراقبة الحذرة إلى الدعم العلني والقاسي لطهران.
ولن يكون الرد إيرانياً فحسب. فبمجرد أن تتحول التهديدات إلى ضربات، ستُفتح جبهات متعددة كالنار في الهشيم. ها هو حزب الله يعلنها صريحة لسنا محايدين والهجوم سيطالنا”، راسماً بذلك معادلة ردع واضحة تربط مصير تل أبيب بمصير المنشآت النووية الإيرانية. وستصحو الفصائل في العراق واليمن كأذرع أخرى لمعركة إقليمية شاملة، تحول الحلم الأمريكي بـعملية نظيفة إلى كابوس يطوجي ممتد.
وفي هذا المناخ المحتدم، يترقب العالم الدور المصيري للعملاق الشرقي- الصين؟ يبدو أن بكين تُجري حساباتها بدقة فائقة. فمن ناحية، لا يمكنها السماح بسقوط حجر الزاوية في محور مقاومة الهيمنة الغربية، وحليف إستراتيجي رئيسي في مشروعها الطموح الحزام والطريق ومن ناحية أخرى فهي تتحاشى الدخول في حرب مفتوحة قد تعطل مسيرة صعودها الاقتصادي الطويل. لذا فإن توقع ردها سيتشكل على مستويات متدرجة وحسب مقتضيات
ستقف الصين بصلابة إلى جانب روسيا وإيران في الساحات الدبلوماسية من الأمم المتحدة إلى مجموعة بريكس مستخدمة ثقلها الاقتصادي والسياسي لإحباط أي قرار دولي مُحرض وستواصل، من وراء ستار العقوبات الغربية شراء النفط الإيراني وتمويل مشاريع البنية التحتية ماسكةً بيدها شريان حياة النظام في طهران. أما عسكرياً فالأمر أكثر تعقيداً. فانضمام جيش التحرير الشعبي إلى القتال مباشرة هو احتمال قد يبدو شبه مستحيل لكن الدعم سيأتي بأشكال أخرى مناورات مشتركة ضخمة مع روسيا وإيران لتعزيز الردع وتقاسم استخباراتي حيوي، وربما توريد أنظمة سلاح ذكية عبر قنوات معقدة، كل ذلك لتأكيد مبدأ أن تكلفة الحرب ستكون باهظة على الجميع.
تبقى النهاية مفتوحة على ثلاثة سيناريوهات. الأول، وهو الأرجح في الأيام القليلة القادمة أن تستمر لعبة الرفع والتخويف حتى حافة الهاوية ثم يتراجع الطرف المهاجم تحت وطأة حساب التكاليف الباهظة لحرب لا غالب فيها والثاني أن يخطيء طرف ما في حساباته لتبدأ عملية محدودة يرجح أن تخرج سريعاً عن السيطرة وتجذب القوى الإقليمية واحدة تلو الأخرى إلى برميل بارود متفجر. أما السيناريو الأسود، فهو أن يؤدي تصادم المصالح في ساحة المعركة الإيرانية إلى مواجهة مباشرة وغير محسوبة بين القوات الأمريكية ونظيراتها الروسية أو الصينية لتدخل البشرية في عصر جديد، تُكتب قواعده الأولى بلغة النار.
ما بين هذه السيناريوهات يعيش الشرق الأوسط دوامة هي الأثقل والأكثر سخونة وحملاً للشظايا منذ عقود. القرار، وإن بدأ من واشنطن، فإن عواقبه ستُقاس في طهران وموسكو وبكين وبيروت وصنعاء وبغداد، في حرب قد تُغير وجه المنطقة، أو قد تُثبت أن قواعد العالم الجديد، متعدد الأقطاب، قد ولدت بالفعل.