
لم تعد المسؤولية في واقعنا المعاصر قيمةً راسخةً كما كانت، بل تراجعت أمام موجة التبرير وإلقاء اللوم على الآخرين. أصبح كل إخفاق يجد صاحبه شماعة يعلّق عليها فشله، وكل تقصير يُبرَّر بظرف أو شخص أو مجتمع، حتى صارت الشجاعة في الاعتراف بالخطأ فعلًا نادرًا، وتحمل المسؤولية عبئًا يتهرب منه الكثيرون، رغم أنها حجر الزاوية في نضج الفرد وتماسك المجتمع.
وقد ترسخت لدى البعض قناعةٌ خاطئة مفادها أن الاعتراف بالخطأ هبوط في القيمة أو ضعف في المكانة، بينما الحقيقة الثابتة أن الشجاعة الأخلاقية تتجلى في مواجهة النفس قبل مواجهة الآخرين. فالهروب من المسؤولية لا يُلغي الخطأ، بل يضاعف آثاره، يؤجل معالجته، ويترك الجرح مفتوحًا في مسيرة الفرد والمجتمع معًا.
وتتجلّى هذه الأزمة بوضوح في حياتنا اليومية، في الأسرة والعمل والمؤسسات التعليمية: فالتلميذ يلقي فشله على المعلم، والموظف يعزو تقصيره إلى الإدارة، ورب الأسرة يحمّل الظروف الاقتصادية إخفاقه، دون مراجعة صادقة للذات. ومع تكرار هذا السلوك، تضعف قيم المحاسبة، ويضعف الإحساس بالواجب، ويحل التبرير محل الإصلاح، فتذوي القيم وتتلاشى المبادئ.
ولا تقف خطورة هذه الظاهرة عند حدود الفرد، بل تمتد آثارها إلى نسيج المجتمع كله؛ فالمجتمع الذي يسوده التهرب من المسؤولية يصبح بيئة خصبة للفوضى، يغيب فيه الانضباط، وتُهدر الطاقات، إذ كل فرد ينتظر التغيير من الآخر، ويعفي نفسه من دوره في الإصلاح والبناء.
إن معالجة هذه الأزمة تبدأ بإعادة الاعتبار للمسؤولية، بوصفها أساس الحرية الحقيقية، لا قيدًا أو قيودًا على الإنسان. فالفرد المسؤول وحده قادر على اتخاذ القرار الواعي، وتحمل نتائجه، وتصحيح مساره عند الخطأ. أما من يتهرب، فيظل أسيرًا لدائرة واحدة، يكرر الإخفاق ويضاعف الخسارة، دون أن يرتقي.
نصيحة للقارئ:
إذا رغبت في تغيير حقيقي في حياتك، فابدأ من نقطة واحدة: تحمّل مسؤوليتك كاملةً بلا مواربة. اسأل نفسك بصدق: ما دوري فيما حدث؟ وما الذي كان يمكنني أن أفعله أفضل؟ لا تجعل الظروف شماعة دائمة، ولا تنتظر من الآخرين أن يصلحوا ما أفسدته أنت أو شاركت فيه. فالمسؤولية ليست عبئًا ثقيلًا، بل بوابة للوعي والنضج، وبها فقط ينتقل الإنسان من موقع الشكوى إلى موقع الفعل، ومن دور الضحية إلى شريك في البناء وصناعة
التغيير.



