
إن قصة أصحاب القرية دروس وعبر وهي حب فعل الخير، ولا يبين سياق القصة ما جرى للرجل المؤمن، وتركها فجوة فنية، وترك لخيال القارئ أن يملأها، من خلال تصوره أو توقعه ما سيصيبه، وإن ما جرى له معروف من خلال الجو الذي يعيشه، إنهم سيرجمون الرجل الذي تجرأ وتحداهم، ولقد وقف المفسرون أمام حقيقة قول الله سبحانه ” قيل ادخل الجنة ” فذهب بعضهم إلى أنه قيل له ذلك، وأن الملائكة قد أخذته وأدخلته الجنة فعلا، وأنه يعيش فيها حقيقة، وذهب بعضهم إلى أن المراد هو إخباره بأنه استحق دخول الجنة بموقفه الإيماني، وتبشيره بذلك، لينال عاجل البشرى ونحن مع القول الثاني والله أعلم، وبعد تبشيره باستحقاقه الجنة تذكر قومه الذين آذوه، حيث ” قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ” ولقد قتله قومه، فقدموا له خيرا ومعروفا من حيث لم يقصدوا أو يريدوا.
ولهذا تمنى لهم الهداية، فنصحهم في حياته ونصحهم في مماته، ونستشعر من خلال هذه النهاية، ومن خلال تدبر آخر كلماته، أن هذا الرجل المؤمن كان يتميز بصفة إنسانية راقية، وهي حب فعل الخير، وروي عن خولة الأنصارية رضي الله عنها قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ” إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة ” رواه البخاري، فإياكم والمعاملات المحرمة والمساهمات المشتبهة، وإياكم وسبل لأكل المال الحرام الذي ظهر خطره وزاد ضرره وطار شرره وتعدت أصحابها لتصل لكافة أفراد الأمة من بني الإنسان بل نالت الطير والحيوان فاتقوا الله عباد الله فإنما الدنيا سويعات، ثم إلى حشرجة وممات فطوبى لأهل الحسنات والطاعات، وويل لأهل السيئات والخطيئات، فقال النبي المصطفي صلى الله عليه وسلم ” دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ”
وقال صلى الله عليه وسلم ” فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ” ثم اعلموا أيها الناس أن مآل المال الحرام إلى ظلمات ودركات، دعوات لا تسمع وأعمال لا ترفع وفتن ترتع، فيا عبد الله كن من عباد الله الصالحين، وكن من عباد الله المخبتين، وكن من عباد الله الذين يرجون الله تعالي ويخافونه ولا تكن ممن اغتر بحلم الله تعالى عنه، وبلطف الله تعالى به، فإن الله عز وجل يغدق عليه بصنوف من النعم، ويقلبه بأنواع من الخيرات وهو مقيم على معصية الله ولا يشعر أن ذلك قد يكون من الله استدراجا له، حتى إذا أخذه لم يفلته والله المستعان، واعلموا أن الوسيلة التي أمر الله تعالي بابتغائها وطلبها هي كل عمل صالح يتقرب العبد به إلى الله عز وجل، فالصلاة وسيلة، والصيام وسيلة، والصدقة وسيلة، والدعاء وسيلة، وقراءة القرآن وسيلة.
وهكذا جميع العمل الصالح وسائل يتوصل بها إلى الله سبحانه وتعالى وجنته، وينال بها بإذن الله السعادة العظيمة الخالدة التي لا تفنى ولا تبيد ولا تزول، في الغرف الآمنة العالية الرفيعة التي مَن سكنها يتنعم ولا ييأس ويحيى ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، نسأل الله أن يجعلنا منها وفيها، أما ما فهمه بعض الناس من أن الوسيلة هي أن تجعل فيما بينك وبين الله تعالى وسائط تدعوهم من دون الله عز وجل وترجو ما عندهم من دون الله عز وجل، أو تتخذ وليّا من الناس من دون الله سبحانه ترجوه عند رغبتك وتخافه منه عند رهبتك، هذا بلا شك من الشرك الأكبر العظيم، وقد قال مثله أصحاب الشرك الأول من المشركين الذين بُعث فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، أو أن نتوسل إلى الله عز وجل بعبادة الله عند قبر رجل صالح، فهذا لا شك من البدع المحدثة الغليظة التي لم يتعبدنا الله عز وجل بها.
وقد يصل بها صاحبها إلى الشرك بالله تعالى، فيا عبد الله، ارجوا الله تعالى وادعو الله سبحانه بدعاء خالص له، بل يستحب أن تتوسل إلى الله بدعائك إليه بعمل صالح أو بإيمانك بالله أو بأسمائه وصفاته، فالوسيلة هي كل ما يتوسل به ،أي يتقرب به وكأن المعنى هو اطلبوا من الله حاجتكم متوجهين إليه، فإنه بيده عز شأنه مقاليد السموات والأرض، ولا تطلبوها متوجهين إلى غيره، وقال ابن جرير الطبري أي يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله فيما أخبرهم ووعدهم من الثواب، وأوعد من العقاب ” واتقوا الله ” أي أجيبوا الله فيما أمركم ونهاكم من الطاعة له في ذلك، وحققوا إيمانكم وتصديقكم ربكم ونبيكم بالصالح من أعمالكم ” وابتغوا إليه الوسيلة ” أي واطلبوا القربة إليه بما يرضيه.



