في كل مرحلة من مراحل العمر يكتشف الإنسان أن الضوضاء التي كانت تملأ الطريق لم تكن تعنيه وأن كثيرا من الأصوات التي ظن أنها مهمة لم تكن تحمل قيمة وأن الذين كانوا يظهرون في مقدمة الصورة كانوا مجرد ظل لحقيقة مزيفة ومع تراكم التجارب يبدأ يدرك أن أقرب شيء للإنسان ليس الوجوه التي تحيط به ولا الكلمات التي يسمعها ولا الأبواب التي تفتح أمامه ولا الأضواء التي
تسلط عليه لكن اقرب شيء له هو الظلال التي تلازمه في أصعب أوقاته الظلال التي تتحرك معه بلا شروط وتختفي معه بلا شكوى وتعود معه بلا انتظار شكر أو مقابل الظلال التي لا تتبرأ منه عندما يسقط ولا تتجاهله عندما يضعف ولا تبتعد عنه عندما يتعثر
ومع مرور الوقت يكتشف أن هذه الظلال ليست مجرد انعكاس جسدي لكنها انعكاس روحي انعكاس لصورة الإنسان الحقيقية
صورة لا يراها غيره ولا يعرفها أحد غيره صورة صادقة لا تتزين ولا تتجمل ولا تخضع لمقارنات ولا لبشر يبدلون مواقعهم مع كل فرصة وبينما يفكر الناس فيما يملكه الإنسان أو ما لا يملكه تبقى هذه الظلال هي الشيء الوحيد الذي يعرف الحقيقة يعرف ما خسره وما صبر عليه وما نجا منه يعرف أحلامه التي دفنها ورغبته التي أخفاها وخطواته التي لم يجرؤ أن يعلنها ويظل هذا الظل يرافقه
ليذكره بأن الإنسان مهما ابتعد عن نفسه سيعود في النهاية إلى صورته الأولى الصورة التي لا تخونه ولا تكذب عليه ومع كل تجربة جديدة يدرك الإنسان أن العلاقة بينه وبين ظله ليست علاقة إنعكاس بسيط لكنها علاقة توازن كلما حاول العالم أن يشتته أعاده ظله إلى مساره وكلما حاول أن يرضي الآخرين أكثر مما يرضي نفسه أعاده ظله إلى جوهره وكلما حاول أن يغير ملامحه من أجل
أحد أعاده ظله إلى شكله الحقيقي ومع ذلك يظل البشر يطاردون صورا لا تشبههم ويتقمصون أدوارا لا تناسبهم ويحاولون أن يكونوا كل شيء إلا أنفسهم بينما الظل يقف خلفهم ساكنا صبورا يعرف أنهم سيتراجعون يوما ليعودوا إليه لأنه المكان الوحيد الذي لا يحاسب ولا يلوم ولا يطالب فقط ينتظر وهنا يتولد إدراك مختلف تماما إدراك يجعل الإنسان يتوقف عن الجري خلف ما لا يشبهه
ويتوقف عن تقليد ما لا يليق به ويتوقف عن ارتداء أقنعة لا تشبه ملامحه ويتحول إلى شخص أكثر صدقا مع نفسه وأكثر فهما لطبيعته وأكثر قدرة على اختيار ما يناسبه لا ما يعجب الآخرين لأن الظل يعلم الإنسان شيئا مهما أنه لا يستطيع الهروب من نفسه وأنه مهما غير الأماكن والوجوه والطرق سيظل مربوطا بصورته الحقيقية الصورة التي لا تتأثر بكلام الناس ولا بتقييماتهم ولا
بظروفهم وانما تتأثر فقط بقراره الداخلي أن يكون هو كما هو لا نسخة مشوهة ولا انعكاساً لغيره ومع ترسخ هذا الفهم يبدأ الإنسان يعيش بطريقة مختلفة لا يبحث عن قبول لا يستجدي حب لا ينتظر تقدير لا يريد إثبات نفسه لأحد يصبح في سلام مع ذاته وفي قوة مع داخله وفي انسجام مع طريقه يصبح حقيقيا في زمن يهرب الجميع فيه من حقيقتهم ويصبح ثابتا عندما يتقلب كل من
حوله ويصبح ممتلئا من الداخل فلا يحتاج لفراغ الآخرين ليملأه ولا لصخبهم ليغطي عليه ولا لآرائهم ليثبت أنه موجود يصبح الظل رفيقا لا يمكن الاستغناء عنه رفيقا في الصمت وفي التعب وفي الصعود وفي السقوط رفيقا لا يختفي حين تظلم الدنيا ولا يتغير حين تتبدل الظروف ولا يتخلى حين يتخلى الجميع رفيقا يذكر الإنسان أن أصدق علاقة يملكها هي العلاقة التي تربطه بنفسه وأن
أقسى خسارة يمكن أن يعيشها هي خسارة ذاته وأن أجمل انتصار يمكن أن يحققه هو أن يعود إلى صورته الأولى دون تزييف ودون تصنع ودون أن يسمح للعالم أن يفقده نفسه