هناك لحظة يكتشف فيها الانسان ان الظل الذي يسير معه لم يعد يشبهه وان صورته التي يراها في عيون الآخرين ليست صورته الحقيقية وان الابتسامة التي تظهر على وجهه لا تعبر عنه وان الكلمات التي يقولها لا تشبه ما يشعر به في الداخل عندها يبدأ بالصراع بين ما يراه الناس وما يعرفه هو عن نفسه وبين الصورة التي صنعها الزمن والصورة التي يحتفظ بها القلب في أعماقه ومع
كل خطوة يمشيها يشعر ان هناك مسافة تتسع بينه وبين ظله مسافة لا يراها احد لكنها تزداد كلما حاول ان يتظاهر بأنه بخير وكلما حاول ان يخفي ما يؤلمه وكلما ساير ما لا يرضاه فقط حتى لا يخسر احدا ومع مرور الوقت يفهم الانسان ان الظل ليس مجرد شكل على الأرض بل انعكاس للروح وان تشوه الظل يعني ان هناك شيئا في الداخل فقد اتزانه وان الروح التي تتعب لا تظهر تعبها على
الوجه فقط بل على التصرفات على الاختيارات على طريقة الكلام وحتى على الصمت الطويل الذي يملأ الليالي وفي تلك اللحظة يدرك الانسان انه لم يعد يعيش كما يريد بل كما يتوقع منه الآخرون ان يعيش وان حياته تحولت الى واجبات والى مجاملات والى خطوات لا تشبه قلبه في شيء ثم تأتي لحظة صادقة لا يمكن تجاهلها لحظة يرى فيها الانسان نفسه بوضوح يرى خوفه وجرأته
ضعفه وقوته يرى احلامه التي أهملها وقراراته التي أجلها وعلاقاته التي منحها أكثر مما تستحق ويرى كيف صار ظله غريبا عنه وكيف صار يمشي في طريق لا يعرف بدايته ولا نهايته فيقرر عندها ان يوقف كل شيء ان يسحب روحه من الفوضى ان يستعيد ملامحه التي فقدها ان يعود إلى الطريق الذي يشبهه وان يجعل ظله يسير معه لا امامه ولا خلفه وفي رحلة العودة إلى الذات يفهم الانسان ان
التصالح مع النفس أعظم من أي نجاح وان السلام الداخلي أثمن من أي علاقة وان القلب الذي يختار راحته لا يكون أنانيا بل يكون واعيا وان الروح التي تبحث عن حقيقتها لا تكون هاربة بل شجاعة وان الظل حين يعود يشبه صاحبه من جديد فهذا يعني ان الانسان أخيرا وقف في المكان الصحيح المكان الذي يليق به ويمتد فيه بخطوات ثابتة وقلب مطمئن وروح وجدت نفسها بعد ضياع طويل