مقالات وآراء

​عباقرة من خارج القاعات سلسلة مقالات أدبية

بقلم ـ كامل عبد القوي النحاس

​الرافعي وطه حسين: زلزال البيان ومحراب الهوية

​تمهيد: صرخة في وادي الصمت
​في عام 1926، لم يكن التاريخ الأدبي العربي مجرد سردٍ للأحداث،
بل كان مسرحًا لزلزال فكري هز أركان الثوابت، واقتلع سكينة الطمأنينة من القلوب.
وقف الدكتور طه حسين على منصة الجامعة المصرية، بنظارته السوداء التي تواري وراءها بصيرة تشتعل رغبة في التجديد والتحدي،

ليرمي في وجه الركود قذيفته المدوية:

“علينا أن نَشكَّ في كل شيء.. حتى في هذا الشعر الجاهلي!”
(كتاب في الشعر الجاهلي).

​كانت كلمات “العميد” كالقذائف المحاطة بهالة الشهادات العالمية وهيبة الأكاديمية، والقوى الدولية، والتفاف شباب مثقف رأى في “الشك الديكارتي” بوابته الوحيدة نحو النور.

وفي زاوية صامتة،
كان يقف مصطفى صادق الرافعي بصمتٍ مهيب، وعين بصيرة ترقب حركة الشفاه،
وقلب يزن الكلمات بميزان الذهب.
لم تكن عبقرية الرافعي وليدة مدرجات الجامعات، بل نتاج اجتهاد ذاتي صقلته الآلام، وعزيمة قهرت الإعاقة، وصمدت أمام كل نفوذ ظاهر.

​الفصل الأول: مواجهة المناهج – البيان ضد الشك

​اعتمد طه حسين في كتابه على المنهج الديكارتي، القائم على تجريد العقل من كل موروث سابق والشك في كل شيء للوصول إلى اليقين.

لكن الرافعي، في كتابه “تحت راية القرآن”، لم يكتفِ بالاعتراض النظري،

بل أطلق صرخة هزت الوجدان قائلا:
“إن إخضاع اللغة العربية للشك المستورد هو طمس للهوية، وضرب لروح الأمة في مقتل.”

​لقد أدرك الرافعي ببصيرته أن الشك في الشعر الجاهلي ليس مجرد نزاع أدبي،
بل هو “حصان طروادة” لاختراق قدسية النص القرآني،
فإذا سقط الأصل اللغوي، سقط معه فهم الإعجاز، وهو ما لم يسمح به حارس اللغة الأمين.

​الفصل الثاني: تفكيك “معبد العميد” –
كيف هدم الرافعي منهج الشك؟

​لم يكن هدم الرافعي لمنطق طه حسين مجرد ردود عاطفية،
بل كان تفكيكاً معرفياً اعتمد على ركائز واضحة:

​كشف التبعية (الشك المستورد):

أوضح الرافعي ببراعة أن هذا “الشك” ليس ابتكاراً من طه حسين،
بل هو صدىً لآراء مستشرقين أجانب أرادوا قطع صلة المسلمين بجذورهم اللغوية.

فكان الرافعي يقول: “إن هذا الذي تظنونه تجديداً، ليس إلا تقليداً أعمى لكل ما يأتي من الغرب.”

​منطق الإعجاز (برهان الأصل):
جادل طه حسين بأن تشابه لغة الشعر مع القرآن دليل على أن الشعر “نُحل” بعد الإسلام.

فقلب الرافعي المنطق عليه، فالتحدي القرآني للعرب لا يكون منطقياً إلا إذا كان العرب قد وصلوا بالفعل لقمة البيان في جاهليتهم.

فوجود الشعر الجاهلي هو “شهادة الميلاد” لإعجاز القرآن.

​الذوق مقابل المادة (روح النص):

تعامل العميد مع الشعر كمعادلة كيميائية جافة، بينما رأى الرافعي أن اللغة “روح”؛ فالأديب الحقيقي يميز بـ “أذنه الرهيفة” الصدق من الزيف، وهو ذوق لا تمنحه الجامعات لمن انبهروا بالمناهج المادية الباردة.

​الأمن القومي اللغوي: أقنع الرافعي الجميع بأن اللغة هي الحصن الأخير،
فإذا تزلزلت الثقة في لسان العرب، تزلزلت الثقة في نص الوحي، وبذلك حول القضية من “نقد أدبي” إلى “معركة وجود”.

​الفصل الثالث: زلزال المؤسسات.. صدى صرخة الرافعي
​لم تتحرك مصر بمؤسساتها إلا بعد أن أذكى الرافعي نار الوعي، فكانت استجابة الهيئات بمثابة “طوفان” أحاط بالعميد:
​الأزهر الشريف: لم يكتفِ بالاعتراض، بل شكل لجنة من كبار علمائه أعدت تقريراً فندت فيه آراء طه حسين، وقدم شيخ الأزهر بلاغاً رسمياً للنائب العام يتهم فيه المؤلف بالطعن في ثوابت الدين والقرآن.

​البرلمان المصري: اشتعلت قاعاته بالخطب النارية؛ حيث طالب النواب بسحب الكتاب من الأسواق،
بل وطالب البعض بمحاكمة مؤلفه وعزله من منصبه الجامعي،
معتبرين أن ميزانية الدولة لا يمكن أن تمول هدم ثوابت الدولة.
​نقابة المحامين: انتفض رجال القانون وعلى رأسهم كبار المحامين الذين تطوعوا لرفع قضايا جنائية ومدنية، معتبرين أن اللغة العربية هي “نظام عام” وحق لكل مواطن، والعبث بها هو اعتداء على المجتمع بأسره.

​الصحافة والشارع: تحولت الجرائد إلى “متاريس” فكرية، وتبارى الكتاب في فضح المنهج الديكارتي المشوه،
مما نقل المعركة من أروقة الجامعة إلى المقاهي والبيوت والمساجد.

​الفصل الرابع: هبة الشارع وانتصار “تحت راية القرآن”

​في مشهد ملحمي مهيب، اجتمع الشارع المصري بكل طوائفه خلف الرافعي. لم يعد الرافعي مجرد أديب يكتب، بل صار “زعيماً” للفكر. رفعت صور الرافعي في الميادين، وأصبح كتابه “تحت راية القرآن” هو الأيقونة التي يحملها الشباب والعلماء والعمال على حد سواء، كرمز للصمود في وجه التغريب.
لقد أثبتت هذه الهبة الشعبية أن “قوة الكلمة الصادقة أقوى من سطوة المنصب”، وأن الأمة حين تستشعر الخطر على هويتها، تلتف حول صاحب البيان الحق.

​الفصل الخامس: التراجع والتحول
​أمام هذا الضغط الجبار من الأزهر والبرلمان والمحامين وهبة الشارع، اضطر العميد للتراجع:
​سحب كتابه، وأعاد نشره بعنوان “في الأدب الجاهلي” بعد حذف الفصول التي مست العقيدة.
​بدأ رحلة تحول تدريجي نحو الاعتدال والاحتفاء بالتراث في مؤلفاته اللاحقة مثل “على هامش السيرة والشخين”.
وهنا تتجلى نتيجة صمود الفرد: عبقرية الرافعي فرضت احترام اللغة، وهزمت كل نفوذ أكاديمي.

​الفصل السادس: صمود الفرد وانتصار العبقرية
​الملحمة تعلمنا درسًا خالدًا: المناصب والشهادات قد تتلاشى، لكن البيان الأصيل هو الحارس الأمين. تجلت عبقرية الرافعي في انتصار اجتهاده الذاتي على قيود الإعاقة ونفوذ السلطة.
لقد انتصر الرافعي بصدقه، وبقي العميد -في تلك المعركة- تلميذاً في محراب اللغة. الرافعي قهر أعلى الشهادات، وجعل من أدبه مرجعاً تحتكم إليه الأجيال، وأثبت أن الفرد بقوة الفكر يستطيع أن يغير مسار التاريخ الثقافي للأمة.

​تمهيد للمقال التالي:

“الرافعي والعقاد”.. حيث سنتابع كيف واصل الرافعي مسيرته في مواجهة رؤى مدرسة الديوان، لنرى صراع “البيان” ضد “المنطق”، وكيف صمد محراب الرافعي أمام عملاق آخر من عمالقة الفكر.
​ما رأيك بهذا السرد التفصيلي؟ هل ننتقل الآن إلى معركة “البيان والمنطق” بين الرافعي والعقاد؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock