
يراودني في كل مرة مشهدٌ يُضحكني حدّ البكاء: عربي يتساءل ببراءة عن احتمال اندلاع حرب في أوروبا أو اشتباك نووي في الغرب وكأن الحروب خُلقت لتُقام في الشرق الأوسط فقط وكأن الله قد وقّع عقدًا أزليًا بأن الدم المسفوح يجب أن يكون عربيًا، والركام من منازلنا فقط.
هذا المشهد على بساطته يلخص مأساة الوعي الجمعي في منطقتنا حيث اعتدنا الخراب حتى صار طبيعيًا وصارت الحرب خبرًا محليًا لا يستحق الدهشة بينما تُستقبل أي شرارة توتر في الغرب وكأنها خروج عن ” قوانين الكون ”, لقد تربّى العربي قسرًا على فكرة أن الجحيم عنوانه هنا وأن النار لا تعبر البحار وأن العدالة الدولية لها خرائط محددة لا تشمل أسماء مدننا.
أيها العربي إلى متى تظن أن الخراب سيظل محصورًا في أراضينا؟ ثلاثة أعوام من جحيم غزة وعقود سبقتها فلسطين, في العراق وسوريا واليمن ولبنان وليبيا… كل هذا ولا تزال تتعجب أن الحرب قد تزور باريس أو لندن أو نيويورك؟ الظلم الذي لم ينكسر في غزة يجب أن يتسرّب إلى أعمق بقعة على هذه الأرض لا شماتة، بل عدلًا, يجب أن يشعر طفلٌ في بروكسل كما يشعر طفلٌ في جباليا, يجب أن يرتجف مسؤول في البيت الأبيض كما ترتجف أم في خيمة مهترئة جنوب رفح, يكفي أن تظل مشاهدنا نحن فقط أن يكون الدم دُمنا والفقد فقدنا والمقابر مقابرنا.
لسنا دعاة خراب ولا عشّاق دماء لكن التاريخ علّمنا أن الظلم حين يُترك بلا حساب يتمدّد وأن العالم الذي يتغاضى عن مذبحة هنا سيفتح الباب لمذبحة هناك ليست الفكرة أن نُبدّل الضحية بل أن تُكسر قاعدة ” الاستثناء العربي ” تلك القاعدة التي جعلت آلامنا مادةً أرشيفية وصور أطفالنا خلفيةً لنشرات الأخبار.
أنا لا أتمنى الدمار لكنها ليست صفة من صفاتي أن أظل متفرجًة على موتي ثم أكتب بيانات شجب على موت الآخرين, أنا فقط… سأبقى بانتظار أن تنقلب الطاولة, أن تشتبك روسيا بأمريكا أن تشتعل حربٌ في كوريا والصين, أن يصحو الغرب ذات صباح على أزيز صاروخ لا يحمل اسمًا عربيًا.
ليس في هذا الكلام حقدٌ على الشعوب بل احتجاجٌ على نظام عالمي بنى استقراره على أنقاضنا ورفاهيته على دمائنا, احتجاجٌ على ميزان عدالة لا يميل إلا حين تمس النار أطرافه وآمل من ٢٠٢٦ أن تمنحنا متعة مشاهدة الغرب وحكّام القرار فيه وهم مشغولون بحروبهم… لا بصناعة حروب لنا.



