مقالات وآراء

عدم الاستقرار السياسي في السودان وأثره على الأمن الحدودي

بقلم الدكتور احمد صفوت السنباطي

انفجرت الأوضاع في السودان منذ انقلاب أكتوبر 2021 وتحولت البلاد إلى ساحة صراع مفتوحه بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ليكشف هذا الاشتباك الدامي عن هشاشة عميقة في بنية الدولة السودانية الحديثة، وعن تداعيات خطيرة تتجاوز الحدود السياسية لتطال الأمن القومي للدول المجاورة، وخاصة مصر التي تشترك مع السودان في أطول حدود برية لها فالسودان لم يكن مجرد دولة جارة، بل كان عمقاً استراتيجياً وحلقة وصل بين العالم العربي وأفريقيا، ودرعاً أمامياً ضد التهديدات القادمة من الجنوب والقرن الأفريقي اليوم، مع انهيار مؤسسات الدولة في الخرطوم وتحول الشارع إلى ساحة حرب بين مليشيات مسلحة، تتحول هذه الحدود الطويلة التي تبلغ أكثر من 1200 كيلومتر من منطقة آمنة نسبياً إلى شريط مفتوح للتهديدات المتعددة، حيث يتداخل الخطر العسكري المباشر مع الأخطار غير التقليدية التي تتسل عبر الصحراء، مما يضع الأمن القومي المصري أمام اختبارات غير مسبوقة في عمقه الجنوبي.

لم يعد التهديد محصوراً في الجيوش النظامية أو النزاعات الحدودية التقليدية، بل انتقلت إلى مجال أكثر خطورة وهو سيطرة المليشيات والعصابات المسلحة على المناطق الحدودية ففي ظل فراغ السلطة في شمال السودان، تتحرك قوات الدعم السريع، التي تتحول بسرعة من قوة شبه نظامية إلى مليشيا عابرة للحدود لها مصالح اقتصادية في تهريب الذهب والأسلحة والبشر، بالقرب من المناطق المصرية هذا الوجود يشكل تحدياً مباشراً، فمثل هذه المليشيات لا تعترف بالاتفاقيات الدولية أو بقدسية الحدود، وتتحرك بناءً على حسابات الربح والخسارة والصراع على النفوذ.

كما أن انهيار الأمن في مدن مثل بورسودان والبحر الأحمر يفتح الباب أمام تهريب الأسلحة من الموانئ السودانية إلى الجماعات الإرهابية التي قد تستقر في المناطق الحدودية النائية بين البلدين، أو حتى إلى العناصر الموالية للإخوان المسلمين الذين قد يجدون في الفوضى السودانية ملاذاً ومستقراً جديداً لنشاطهم المعادي لمصر.

الحدود المصرية السودانية، بمساحتها الشاسعة وطبيعتها الصحراوية التي يصعب مراقبتها بالكامل، تصبح في هذا السيناريو خطاً مائعاً تسهل عبره حركة العناصر غير المرغوب فيها والسلاح غير المشروع.

الأكثر خطورة هو تحول الحدود إلى منطقة جذب للجماعات الإرهابية الدولية.

فالفوضى في السودان تشكل بيئة مثالية لتنظيمات مثل داعش وبوكو حرام والقاعدة لإنشاء معسكرات تدريب أو نقاط عبور، مستفيدة من انشغال القوى المحلية في الصراع على العاصمة وإذا استقرت مثل هذه الجماعات في دارفور أو كردفان، فإنها ستكون على بعد خطوات من الحدود المصرية الجنوبية في منطقة مثلث حلايب، مما يهدد بفتح جبهة إرهابية جديدة جنوب مصر، تكون أكثر صعوبة في المكافحة من جبهة سيناء بسبب بعدها وتضاريسها هذا الخطر الإرهابي المتزايد يجبر مصر على تعزيز وجودها العسكري والأمني بشكل كبير في عمق الصحراء الجنوبية، وهو أمر مكلف ويستنزف موارد قد تكون موجهة لاحتياجات تنموية أخرى.

إلى جانب التهديدات الأمنية، تأتي التحديات الإنسانية كعامل ضغط غير مباشر فمع استمرار القتال، يتدفق آلاف اللاجئين السودانيين نحو الحدود المصرية، كما حدث في منطقة أرقين الحدودية هذا التدفق البشري الكثيف لا يشكل عبئاً على المناطق الحدودية المصرية من حيث الإيواء والخدمات فحسب، بل يخلق بيئة من الازدحام والفوضى يمكن أن تستغلها العناصر الإجرامية أو الإرهابية للتسلل بين صفوف اللاجئين كما أن انتشار الأوبئة والأمراض في معسكرات النزوح قد ينتقل عبر الحدود، مسبباً أزمات صحية.

الخلاصة هي أن الفوضى في السودان لم تعد شأناً داخلياً، بل هي تهديد وجودي للأمن القومي المصري فهي تحول الحدود الجنوبية من شريط آمن إلى ثغرة مفتوحة أمام كل الأخطار المليشيات المسلحة، الإرهاب العابر للحدود، تهريب السلاح والبشر، والأزمات الإنسانية مواجهة هذا التهديد المتعدد الأوجه تتطلب من مصر تبني استراتيجية شاملة تجمع بين التعزيز العسكري المباشر على الحدود، والتعاون الاستخباراتي المكثف مع أي قوى محلية سودانية معتدلة، والعمل الدبلوماسي الحثيث مع القوى الدولية والإقليمية لاحتواء الأزمة السودانية وإعادتها إلى المسار السياسي، لأن استقرار السودان لم يعد مجرد أمنية لجيرانه، بل أصبح شرطاً أساسياً لأمن المنطقة بأكملها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock