
يا أخي الكريم إن كنت قمت رمضان إيمانا وإحتسابا، فقد رحل شهر القيام، فلا تقصر سائر العام، فخذ بالجد في كل أيامك، فعن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال” أتاني جبريل، فقال يا محمد عش ما شئت فإنك ميت أحبب من شئت، فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه إستغناؤه عن الناس ” رواه الطبرانى، وتجدر الإشارة إلى أن الخير لا ينحصر في شهر رمضان، بل هو متواصل ومتكرر، فعلى سبيل المثال تتكرر الصلاة في اليوم الواحد خمس مرات، وتتكرر صلاة الجمعة أيضا كل أسبوع، والتهجد كل ليلة، ويتكرر الدعاء والإستغفار بعد كل صلاة مفروضة، وبذلك فإن مواسم الخيرات والعبادات والطاعات لا تنتهى بعد شهر رمضان، ومن أعظم مواسم الخيرات الحج إلى بيت الله الحرام، فقال الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.
” من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه” وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحافظون على ما قدّموه في رمضان، ويتعاهدون أنفسهم بالاستمرار على العبادات والطاعات، وتستمر الطاعات والعبادات طوال السنة، ولا تنحصر بشهر رمضان، أو بموسم معين، فيجدر بالمسلم تحقيق المراقبة الذاتية، وإستشعار مراقبة الله له، بأن يستشعر أن الله معه، مُطلع على عمله، وأنه حاضر وشاهد لما يفعله فيحرص على طاعته، وطلب مرضاته، سواء بقوله وفعله، وبسره وعلنه، فيقبل على عبادة الله كأنه يراه، وإن من الأمور المتطلب الإستمرار عليها بعد رمضان ونحن علي مقربة من نهاية الشهر المبارك هو إستقامة السلوك، فمن تضاعفت جهوده في رمضان، حرى به ألا يتراجع بعد رمضان، فيبتعد عن الذنوب والزلات، ولا يغفل عن الطاعة وفعل الخير، وإن أخطأ أو أذنب عاد واستغفر وأناب.
كما يجدر بالمسلم الحرص على أن يُختم أجله بالخير، ومن الأعمال التي يجدر بالمسلم المدوامة عليها تلاوة القرآن الكريم، ومُدارسته بحيث يجعل المسلم وقتا خاصا لذلك من يومه، فلا يهجره، ويستمر أيضا في مواساة الفقراء والضعفاء، وتفقد أحوالهم، وتقديم المساعدات لهم، وكذلك صيام ستة أيام من شهر شوال حيث يُعد الصيام عبادة من العبادات التي لها أثر عظيم، في تطهير القلوب والنفوس وتزكيتها مما يُعكر صفوها، وهي تصل بالعبد إلى درجة رفيعة عند الله سبحانه وتعالى ولذلك فرض الله سبحانه صيام شهر رمضان على كل مسلم، وحث النبى صلى الله عليه وسلم على صيام ستة أيام من شهر شوال لما يترتب على ذلك من فضل وأهمية زيادة على فضل صيام شهر رمضان، ومن الجدير بالذكر أن شهر شوال شهر قمرى عربى يلى شهر رمضان، أى أنه شهر عيد الفطر، كما أنه أول شهر من أشهر الحج.
وتجدر الإشارة أيضا إلى أن صيام ستة أيام من شهر شوال عبادة مندوبة، وإن إتباع صيام شهر رمضان بصيام ستة أيام يعادل فضل صيام الدهر، بالنظر إلى أن الحسنة بعشرة أمثالها، وتتم مضاعفتها أضعافا كثيرة، كما أن في ذلك اقتداء بسنة النبى صلى الله عليه وسلم، وتكمن الحكمة من تشريع صيام ستة أيام من شوال في اعتبار منزلتها كمنزلة السنن الرواتب في الصلاة، تجبر الخلل والنقص الذى قد يقع في العبادة، ويتوجب على كل مسلم أفطر في شهر رمضان أن يقضي الأيام، التى أفطرها إن أفطرها بعذر، وإن تعذر عليه القضاء، فعليه إطعام مسكين عن كل يوم أفطره، ولا يتوجب القضاء على الفور بعد نهاية شهر رمضان، وهنا يكون السؤال ماذا بعد رمضان؟ وماذا سيكون حالك بعد رمضان؟ وما هي العلامات التي تبشرك بأن الله قد قبل طاعتك في رمضان؟
فيقول ابن القيم رحمه الله “فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سببا لقبول الأعمال فإذا فقد لم تقبل الأعمال” ولقد يسر الله لك ما يعينك على الإستمرار بالطاعة، وهو صيام الست من شوال مع الإهتمام بقضاء الأيام التي فطرت بها أولا، ومما يهون عليك في البدء بالقضاء الحديث القدسي “ما تقرب إليّ عبدى بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه” رواه البخارى، فالله يحب اهتمامك بإتمام فرضك قبل أن تقومي بالتطوع، وقد ذكر الشيخ ابن باز رحمه الله “أن العلماء نصّوا على أن أجر القيام بالواجب أكبر من أجر القيام بالمستحب، وأن البدء بالواجب أسرع في براءة الذمة”



