مقالات وآراء

عصافير جهنّم

بقلم /محمد جمعة سلامة

قد يسئ القارئ الكريم فهم عنواني ويظنُّ أنني سوف أتحدّث عن بعض أنواع الطيور

قبيحة الشكل والتي لها عكس صفات “طيور الجنة ” الموجودة في استراليا وغينيا .
أو أنني سأتحدّث عن قضية أطفال الجنّة والنار والتي طرحتها السيدة عائشة رضي الله عنها على المصطفى صلى الله عليه وسلم بعنوان مشابه “عصافير الجنّة “
ولكنّ الموضوع ليس كذلك
فما قصدته وما أريدُ طرحه على حضراتكم ليس عن نبات أوطائر أو طفلٍ من الجنّة أو النار .
إنّما أردت الحديث عن القتّاتين النمّامين أصحاب المهنة الدنيئة والسلوك الفاسد أو كما يطلق عليهم ” عصافير العمل “
فبالرغم من قِدم تلك الظاهرة والتي كان يطلق عليها المسميات المختلفة ك “سفير التواصل ” أو الناقل المعتمد ” أو حتى” The Spy” كما يطلق عليها في الدول الأجنبية إلا أنها قد ازدادت في الآونة الأخيرة وازداد تأثيرها ومخاطرها فى معظم مؤسسات العمل المختلفة حتى استقرّ المصريون على مسمّى ” العصفورة”
وهناك ممن يقرأ كلماتي المتواضعة قد يتساءل عن المسئول عن ظهور تلك المهنة في بيئة العمل
ويتساءل أيضا عن مدى التأثير والمخاطر التي تحدثها تلك الظاهرة وذلك الكائن الخبيث “القتّات أو العصفورة “
وهنا أجيب أنّ المسئول الأول عن ظهور ونمو ذلك الكائن في أي مؤسسة هو رئيس العمل المتكاسل الذي يحرص على معرفة كل ما يدور حوله من مرؤسيه أولا بأول وباستمرار فبدلا من متابعتهم بنفسه أو تكليف المشرفين المختصين للاطمئنان على سير العمل والانضباط بالمؤسسة يلجأ ذلك المدير أو رئيس العمل إلى الأسلوب البدائي وهو استخدام “العصافير”
ولأنّها الطريقة الأسهل والأكثر انتشارا فقد لا يجد صعوبة في تجنيد وانتقاء من يقومون بتلك المهمة فسوف يجد المتبرعين والمؤهلين بسهولة شديدة من محبّي شغل تلك الوظائف من ضعاف النفوس والشخصية ومن معدومي الرجولة والضمير.
وقد يصل الأمر بالمدير الواحد بمؤسسة واحدة إلى نشر الكثير من “عصافير العمل ” وتوزيعهم على كافّة أقسام المؤسسة أو الشركة أوالمدرسة أو المستشفى أو غير ذلك من بيئات العمل المختلفة لنقل أخبار الموظفين باستمرار
وعن فوائد “الموظف العصفورة ” في العمل
فيقوم المدير من خلاله أو من خلالهم بالاطمئنان على سير العمل ومايدور بين الزملاء ومعرفة المقصرين دون عناء منه ولا ترك مكتبه للإشراف المباشر وذلك فى مقابل مكافأة ذلك الموظف ببعض الامتيازات والتخفيف عنه بالرغم من وضوح تقصيره في عمله
أي أنها منفعة متبادلة بين الرئيس والعصفور.
أمّا عن مخاطر تلك الظاهرة فثثمثل في الكثير من الكوارث التي لا يهتم بها أصحاب تلك المهنة أو رؤسائهم وأهمها أنّ تلك المعلومات التي يحصل عليها رئيس العمل من العصافير قد يكون أغلبها غير صحيح أوصحيح بنسبة غير كبيرة
ممايؤدي لحدوث مشكلات مستمرة بين رئيس العمل والموظفين أو إحداث الوقيعة بين المدير وموظف كفء لمجرد عدم رضا العصفورة عنه.
والخطورة الثانية تكمن في عدم تحقيق العدالة بين الموظفين فمنهم من يؤدي عمله على أكمل وجه دون ثمة تقدير بل ويتعرّض أحيانا للاستفزاز حين يرى زميله المقصّر في عمله المتفرّغ للتجسس مُدللا من مديره .
فيُعاقب من لا يستحق العقاب
ويُثاب من لا يستحق المكافأة
وأمّا عن الخطورة الأكبر فقد يصل الأمر بمؤسسة ما تشجع أصحاب تلك المهنة الوضيعة وتقدّر جهودهم القذرة إلى أن يصبح كل أفرادها جواسيسا على بعضهم البعض أملا فى الحصول على نفس التشجيع والمكانة والمعاملة .
وعن علاج تلك الظاهرة فبالرغم من تأصّلها وتوطّنها في المجتمع إلا أنه لابد من الوقوف ضدها وإلقاء الضوء عليها وتنبيه العقلاء من الرؤساء والمرؤسين لاسيما بعد زيادة حدّتها وخطورتها على المؤسسات وعلى العاملين ليأخذوا الحذر ويكتشفوا الخطرمبكرا ويحاربوا العناصر الفاسدة ولا يسمحوا لها بممارسة عملها المخزي للإيقاع وإحداث الفتنة بينهم
ويجب عليهم أيضا أن يكونوا أكثر نشاطا على قلب رجل واحد وأن يتقوا الله جميعا في تصرفاتهم لأنّ الرقيب في النهاية هو الله الذي سيحاسبنا جميعا .
وهنا أتوقف وأترك لك عزيزي القارئ الحكم على استمرار تلك الظاهرة ومن يشجعها وأعود بك إلى عنوان المقال
” عصافير جهنّم ” والذي أشير به إلى حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم.
” لا يدخل الجنّة قتّات ” أي من يتجسس على الناس بقصد الإفساد بينهم .
أعاذنا الله وإيّاكم من كل ما يقرّب إلى جهنّم من عملٍ أوقول

وخالص تحياتي لحضراتكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock