
هناك لحظة غريبة في تاريخ البشر لا يدوّنها المؤرخون بدقة، لأنها لا تحدث في يوم محدّد ولا في معركة واضحة. إنها اللحظة التي تبيع فيها الإنسانية أعزّ ما تملك: ضميرها.
ليس الضمير شيئا يُرى أو يقاس، ولا يمكن عرضه في البورصات أو تخزينه في الخزائن، لكنه كان، لقرون طويلة، الحارس الخفي للعالم. كان يقف بصمت بين الإنسان وبين هاوية الوحشية، يهمس له أحيانا: توقّف .
ليس كل ما تستطيع فعله يجب أن تفعله،لكن يبدو أن هذا الحارس العجوز أحيل إلى التقاعد مبكّرا في عصرنا.
لقد اكتشف البشر، بذكاء مذهل، أن الضمير ليس أصلا مربحا في السوق الحديثة. فهو بطيء، متردد، كثير الأسئلة، ولا يفهم لغة الأرباح السريعة. وهكذا بدأ التخلص منه بهدوء، كما تتخلص الشركات من موظف قديم لم يعد يناسب روح العصر.ومنذ تلك اللحظة تغيّر شيء عميق في العالم.
حين يموت الضمير، لا تختفي الإنسانية فورا، بل تتحول إلى شيء آخر أكثر أناقة وأشد قسوة. تظل الكلمات نفسها موجودة: العدالة، الرحمة، المعرفة، التقدم. لكن هذه الكلمات تصبح مجرد زخارف لغوية تعلّق على واجهات لامعة تخفي وراءها حسابات باردة.
فالإنسان، حين يفقد ضميره، لا يتوقف عن التفكير،بل على العكس، يصبح أكثر ذكاء.لكن ذكاءه يتحول إلى آلة دقيقة لخدمة الأنا،وما أدراك ما الأنا .
تلك الأنا الصغيرة التي كانت يوما جزء ا من المجتمع، تتحول فجأة إلى غول متوحش يلتهم كل شيء في طريقه: القيم، العلاقات، وحتى المستقبل.وأخطر ما يحدث في هذه اللحظة ليس فساد السياسة ولا جشع التجارة، بل موت ضمير العلماء.
فالعلم، في جوهره، كان وعدا قديما بأن المعرفة ستجعل العالم أفضل. كان العلماء، في المخيلة الإنسانية، يشبهون حرّاس الضوء، يبحثون في أسرار الطبيعة لا لكي يسيطروا عليها فقط، بل لكي يخففوا من آلام البشر.لكن حين يختفي الضمير من المختبر، يتغير معنى العلم نفسه.ويصبح العلم استثمارا.
التعليم يصبح سوقا ضخمة تباع فيها الشهادات كما تباع السلع الفاخرة.والصحة تتحول إلى صناعة مربحة، حيث يصبح المرض موردا اقتصاديّا ،لا مأساة إنسانية.والبحث العلمي يقاس بعدد براآت الاختراع لا بعدد الأرواح التي أنقذها.حتى المعرفة نفسها تعاد صياغتها وفق معادلة بسيطة:ما الذي يمكن أن يدرّ أرباحا أكبر؟
وفي هذا السوق الجديد، يظهر المنتج الأكثر نجاحا في تاريخ البشر: الموت.نعم ،صناعة الموت هي التجارة الوحيدة التي لا تعاني من الركود.الحروب تزدهر، والأسلحة تتطور، والابتكار العلمي يجد نفسه فجأة شديد الإبداع عندما يتعلق الأمر بطرق أكثر كفاءة لإنهاء الحياة.
كم هو مدهش هذا العالم،العلماء الذين يعجزون أحيانا عن علاج مرض بسيط، يبدعون بعبقرية مذهلة في اختراع وسائل جديدة لقتل آلاف البشر في ثوان.إنها مفارقة لا تخلو من روح الفكاهة السوداء،فالإنسان الذي اخترع المجهر ليفهم الحياة، اخترع أيضا القنبلة ليختصرها.
في عالم فقد ضميره، لا تختفي الأخلاق تماما، بل تتحول إلى خطاب رسمي يقال في المؤتمرات والاحتفالات. يتحدث الجميع عن الإنسانية، لكن الإنسانية نفسها تبدو كضيف قديم لم يعد أحد يتذكر لماذا دعي إلى الحفل.
والأنا، ذلك الغول المتوحش، يزداد قوة كل يوم.أنا الدولة. أنا الشركة، أنا الفرد،كل واحد يعتقد أنه مركز الكون، بينما يتحول العالم إلى ساحة تنافس شرس لا مكان فيها للضعفاء.
لدينا تكنولوجيا مذهلة، ومعرفة واسعة، وقدرة غير مسبوقة على التحكم في الطبيعة. لكن السؤال البسيط الذي يظل يطارد هذا العصر هو،من الذي يتحكم في الإنسان نفسه؟
إذا كان الضمير قد غادر المسرح، فمن الذي سيمنع المعرفة من أن تتحول إلى سلاح، والعلم إلى تجارة، والإنسان إلى مشروع استثماري؟ .
وفي النهاية، قد لا تكون الكارثة الكبرى أن البشر اخترعوا أسلحة رهيبة، أو بنوا أنظمة اقتصادية قاسية. الكارثة الحقيقية هي أنهم فعلوا ذلك وهم مقتنعون أنهم ما زالوا عقلانيين ومتحضرين.إنها المفارقة الأكثر إيلاما في قصة الحضارة،حين تبيع الإنسانية أعز ما تملك ، ضميرها ، لا تتحول فورا إلى وحش،بل إلى شيء أكثر خطورة بكثير،وحش صناعي ذكي ّ يمتلك الذكاء الإصطناعيّ .



