
تحتفل الكنيسة الأرثوذكسية في مصر يوم 11 طوبة بعيد الغطاس المجيد، وهو ثاني الأعياد السيدية الكبرى، ويُعد من المناسبات الدينية ذات المكانة الخاصة في الوجدان القبطي لما يحمله من معانٍ روحية وتاريخية عميقة.
ويُعرف عيد الغطاس بعدة أسماء، من بينها عيد أبيفانيا، وعيد العماد، وعيد التغطيس، وعيد الظهور الإلهي، إذ تجلّى فيه الثالوث القدوس أثناء معمودية السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان، حيث ظهر الروح القدس على هيئة حمامة. وفي هذا العيد، تصلي الكنيسة بالطقس الفرايحي تعبيرًا عن الفرح الروحي بالمناسبة.
احتفالات ضاربة في عمق التاريخ
لا يُعد الاحتفال بعيد الغطاس وليد العصر الحديث، بل هو طقس ممتد منذ قرون. فحتى وقت قريب، كان الأقباط يخرجون بعد انتهاء صلاة اللقان في مواكب شعبية، حاملين ما يُعرف بـ«البلابيصا»، وهي فوانيس تُصنع من قشر البرتقال، تُستخدم لإضاءة الطريق حتى الوصول إلى ضفاف النيل، حيث كان يتم التغطيس في المياه تذكارًا لمعمودية السيد المسيح.
ويروي المستشرق إدوارد وليم لين في كتابه «المصريون المحدثون» أن الكهنة كانوا يباركون الماء أولًا بالصلاة ثم يسكبونه في النهر، قبل أن يغطس فيه الرجال من مختلف الأعمار، في احتفال كبير يُقام على ضفتي النيل إحياءً لهذه الذكرى المقدسة.
الغطاس في الذاكرة الشعبية
كما وثّق الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي مشاهد الاحتفال بعيد الغطاس في كتابه «أيامي الحلوة»، حيث أشار إلى تجمع المسيحيين بعد الغروب، وهم يحملون صلبانهم المضيئة بالبلابيصا، لينتشر النور في القرى المظلمة، وتمر المواكب من دار إلى دار وسط تراتيل وأناشيد وزغاريد، مرددين:
ليلتك يا بلابيصا
ليلة هنا وزهور
وفي ليلتك يا بلابيصا
حنو العصفور
وكان الأقباط ينشدون أيضًا:
يا ليلة الغطاس
يا فرحة كل الناس
بعماد الرب يسوع
نسجد ونقول أجيوس
وتستمر هذه الاحتفالات حتى ساعات الفجر الأولى، في مشهد يجمع بين الإيمان والفرح الشعبي.
رمزية الطعام في عيد الغطاس
وترتبط المناسبة ببعض الأطعمة ذات الدلالات الرمزية، التي يحرص الأقباط على تناولها في هذا اليوم، أبرزها القصب، الذي يرمز إلى السمو والنمو الروحي، والقلقاس، الذي يعبر عن التحول من طبيعة ضارة إلى غذاء نافع بعد الطهي، في إشارة إلى المعمودية التي تطهر الإنسان من خطاياه، وتمنحه حياة مسيحية جديدة.
ويظل عيد الغطاس مناسبة دينية وروحية تحمل في طياتها مزيجًا من الإيمان والتاريخ والتراث الشعبي، يعكس عمق الهوية القبطية واستمرارها عبر الأجيال.
كل عيد غطاس والاخوة الأقباط بخير.



