
.في زاوية منسية من مقهى يفوح برائحة الهيل والتحميص العتيق، كان “عمر” يجلس بسكونه المعهود. لم يكن يرى من العالم إلا أطيافاً من النور الباهت، لكن أذنيه كانت نوافذه الواسعة على الحياة.
كان يرتشف قهوته بهدوء، مائلاً برأسه قليلاً كأنه يستمع لسمفونية خفية لا يسمعها غيره، ويدندن بصوت خافض، نغمات رخيمة تنسلّ من شفتيه كهمس النسيم، تملأ فراغ وحدته وتؤنس وحشة السواد الذي يحيط به.
توتر في الزاوية المقابلة
على الطاولة المقابلة، كانت “سارة” تنقر بأظافرها على سطح الخشب بحدة تنم عن نفاذ صبر. تأخر خطيبها “مازن” لأكثر من ساعة، والضيق الذي يعتصر قلبها جعلها تترقب كل حركة حولها بريبة.
كلما ارتفع صوت دندنة عمر، كانت سارة تشعر بنيران الغضب تشتعل داخلها. ظنت في صمتها أن هذا الشاب الذي يضع نظارة سوداء أنيقة ويتجه بوجهه نحوها تقريباً، يتعمد إزعاجها أو يحاول لفت انتباهها بأسلوب رخيص.
”يا له من وقح!” همست لنفسها، وهي تشيح بوجهها بعيداً، معتقدة أن ابتسامته الهادئة ليست إلا سخرية من انتظارها الطويل.
العاصفة التي سبقت الحقيقة
فجأة، دفع مازن باب المقهى ودخل مهرولاً، والاعتذارات تتلعثم على لسانه. لكن سارة لم تمنحه فرصة للكلام؛ بل أشارت بسبابتها المرتجفة نحو عمر، وقالت بنبرة حادة ممتلئة بالتحريض:
”الآن جئت؟ وهل تركتني لهذا الشاب الذي لم يكف عن ملاحقتي بنظراته ودندناته المستفزة منذ وصلت؟”
اشتعلت الدماء في عروق مازن. ودون أن يتأكد، أو يتبين، أو حتى يلحظ السكون الغريب في ملامح عمر، اندفع نحوه كالسهم. وبقبضة غاشمة، وجه ضربة قوية إلى وجه الشاب الهادئ.
الصدمة.. وانكشاف المستور
سقط عمر عن كرسيه، وتناثرت قهوته على الأرض لتختلط بقطرات من دمه. طارت نظارته السوداء بعيداً، وساد المقهى صمت مطبق تقطعه فقط أنفاس مازن اللاهثة.
لكن المشهد الذي تلا ذلك جعل القلوب تتوقف. لم يقم عمر ليرد الضربة، ولم يصرخ شاتماً. بل انبطح على الأرض، وبدأ يمد يده المرتجفة ببطء شديد، يتحسس البلاط بضياع وانكسار، وهو يهمس بصوت مرتعش:
”أين نظارتي؟ أرجوكم.. الدنيا أصبحت مظلمة تماماً.. لا أجد طريقي..”
كانت عيناه الجميلتان، لكن التائهتين، تتحركان في كل اتجاه دون أن تستقرا على شيء. في تلك اللحظة، تجمدت سارة في مكانها، وغطت فمها بكفيها وهي تشعر ببرودة الموت تسري في جسدها. أما مازن، فقد سقطت يده بجانبه وكأنها شُلّت، وأدرك أن “النظرات” التي اشتكت منها سارة لم تكن إلا فراغاً، وأن “الدندنة” لم تكن غزلًا، بل كانت ترنيمة إنسان يحاول أن يشعر بوجوده في عالم لا يراه.
انكسار الغرور
لم تكن الضربة هي ما آلم عمر، بل كان ذلك الانكسار في كرامة إنسان لم يقترف ذنباً سوى أنه استبدل بصره ببصيرة من طهر. رحل عمر بعد أن ساعده صاحب المقهى على النهوض، تاركاً وراءه فنجان قهوة محطم، وخطيبين سيحتاجان لدهر كامل ليغسلا مرارة ذلك اليوم من ضميريهما.
لقد علمهما القدر في لحظة واحدة، أن أصعب أنواع العمى ليس فقدان البصر، بل هو عمى القلوب الذي يقتل
الأبرياء بسوء الظن.



