
بقلم د/سماح عزازي
غزة.. ليست مجرد مدينة على الخريطة، بل جرح مفتوح في خاصرة الزمن، وصرخة ممتدة في أذن التاريخ لا يصمُتها النسيان.
هناك، على شاطئٍ يعرف لون الدم أكثر مما يعرف زرقة البحر، تُولد الحكايات من بين الركام،
وتُكتب القصائد بالحجارة، وتُروى الأساطير على لحن الأذان الممزوج بصوت الانفجارات.
غزة هي القلب الذي يصرّ على النبض رغم أنف الطغيان، هي الحلم الذي يتجدد في عيون الأطفال حتى ولو انكسرت الألعاب في أيديهم.
في كل بيت هنا حكاية بطولة لا تذاع على الشاشات، وفي كل زقاقٍ أثر قدمٍ مطاردة لا تخشى الجدار ولا الرصاصة..
من بعيد، قد يراها العالم ساحة حرب، لكن أهلها يرونها ساحة صلاة، ومحراب كرامة، وميدان عهد بأن الأرض لا تُباع، وأن الروح لا تُشترى.
إن غزة، وهي تحت الحصار، لا تختنق، بل تتنفس بعمق أكبر، لتقول للعالم: نحن هنا… نحن الحياة التي لا تنكسر أمام آلة الموت، نحن الضوء الذي يصر على اختراق كل ليل.
غزة… المدينة التي تحفظ أسماء شهدائها أكثر مما تحفظ أسماء شوارعها، هي ليست خبرًا عابرًا في نشرة المساء، ولا صورة باهتة على صفحات الجرائد، بل نداء لا يتوقف في ضمير العالم.
هنا، في هذا الشريط الضيق، تتسع السماء للصواريخ ولا تتسع لحمامات السلام.. حيث كل بيتٍ هو جبهة، وكل أمٍّ هي أم شهيد، وكل طفل يولد حاملاً في ذاكرته أصوات الانفجارات قبل أصوات الحكايات.. على أبواب المستشفيات، لا يأتي الزائرون محملين بالزهور، بل بأكياس الدم.. وفي الأسواق، لا يُساوم الناس على الأسعار، بل على البقاء على قيد الحياة.
غزة ليست مأساةً جغرافية، بل مأساة إنسانية مكثّفة. هي ساحة اختبار للضمير العالمي، الذي يبدو أنه رسب مرارًا وتكرارًا. كم من قرارات أُممية صيغت باسم العدالة، لكنها ضاعت في دهاليز المصالح! وكم من خطب ألقيت باسم الحرية، لكنها ارتدت صدى أجوف أمام صرخات الأمهات!
ورغم كل ذلك، تقف غزة كقصيدةٍ عصيّة على الحذف، وكآيةٍ تتلى في كتاب الصمود.. تُرمّم جراحها بيد، وتحمل الحجر باليد الأخرى.. تعرف أن العدالة لا تأتي على أجنحة الحمام، بل على أكتاف من لا يقبلون الانحناء.
الحكاية لم تنتهِ، ولن تنتهي، لأن كل قذيفة تُطلق تُكتب في ذاكرة الأطفال، وكل جدار يُهدم يُعاد بناؤه في الخيال قبل الواقع، وكل شهيد يسقط يترك وراءه ألف حارس للحلم.
غزة اليوم لا تنتظر شفقة العالم، بل تنتظر صحوته. تنتظر أن يفهم أن الظلم في أي مكان هو تهديد للعدل في كل مكان.. وحتى يأتي ذلك اليوم، ستبقى غزة تكتب حكايتها، سطرًا سطر، بدمها، ودموعها، وبإصرارها على أن تظل صامدة… مهما اشتد الحصار.
ستظل غزة، مهما طال الحصار واشتدت النيران، تمشي بخطى واثقة على الجمر، وتغزل من الألم خيوط أمل لا تنقطع.. ستظل الحكاية تُروى جيلاً بعد جيل، لا كحكاية مأساة فحسب، بل كوصيةٍ للعزّة، وكشهادةٍ على أن الحرية لا توهب، بل تُنتزع انتزاعًا.
وحين يكتب المؤرخون فصول هذه الحقبة، لن يسجّلوا فقط عدد الشهداء أو أسماء المدن المدمرة، بل سيكتبون عن شعبٍ علّم العالم أن الإرادة يمكن أن تكون أقوى من الدبابات، وأن الحب يمكن أن يُزهر في قلب الدمار ، وأن الطفل الذي يلعب تحت أزيز الطائرات سيكبر ليصنع طائراته هو، لا ليقصف، بل ليحلق.
غزة ليست صفحةً عابرة في كتاب السياسة، بل هي الكتاب كله… كتاب الصمود الذي يعلّمنا أن الكرامة لا تُرتهن، وأن الروح الحرة لا تُكسر، وأن هناك دائمًا أرضًا في هذا العالم تستحق أن يُضحى من أجلها… على هذه الأرض، ما يستحق أن نحيا، ونقاوم، وننتصر لأجله.



