صحف وتقارير

فخ الدوبامين ووهم الإصلاح هل العلاقات السامة إدمان أم معركة لإثبات الذات

منى منصور

في دهاليز العلاقات الإنسانية تبرز ظاهرة باتت تؤرق المختصين في علم النفس والاجتماع وهي العلاقات السامة تلك العلاقات التي تبدأ بوعود وردية وتنتهي باستنزاف نفسي وجسدي كامل ومع تزايد التساؤلات حول سبب تمسك الضحايا بهذه العلاقات رغم وضوح أذاها يبرز التساؤل عما إذا كان هذا الاستمرار نوعا من الإدمان الكيميائي للدماغ أم أنه معركة خفية يخوضها الفرد لإثبات قيمته الشخصية.

ويرى خبراء النفس أن هذه العلاقات لا تختلف كثيرا عن إدمان المواد المخدرة من حيث اعتمادها على آلية بيولوجية تسمى التعزيز المتقطع حيث يعيش الفرد حالة من التذبذب الحاد بين الإساءة المفرطة والاحتواء المفاجئ مما يجعل الدماغ في حالة ترقب دائم لجرعة الحنان القادمة لتسكين ألم الإهانة السابقة وهذا التناقض يؤدي إلى إفراز هرمونات السعادة بشكل مكثف في لحظات الصلح العابرة ليصبح الشخص مع الوقت مدمنا على دورة الألم واللذة ويشعر بأعراض انسحاب حقيقية عند محاولة الفراق تفسر عودته المتكررة رغم الوعود بالرحيل.

وعلى الجانب الآخر يبرز التمسك بالعلاقة المؤذية كمحاولة غير واعية لإثبات الذات حيث يقع الكثيرون في فخ عقدة المخلص معتقدين أن قدرتهم على الصمود وتغيير الطرف السام هي المقياس الحقيقي لقيمتهم وقوتهم الشخصية فيتحول البقاء إلى تحد مفاده أن النجاح في انتزاع الحب من شخص صعب هو دليل على التميز لكن الحقيقة المرة هي أن هذا النوع من إثبات الذات هو وهم مدمر لأن الذات لا تبنى على أنقاض التضحية بالكرامة بل تهدم بها.

إن الخط الفاصل بين الإدمان وإثبات الذات في هذه العلاقات هو الوعي بأن الصمود في وجه الإساءة ليس بطولة بل هو استنزاف مستمر ويؤكد المختصون أن إثبات الذات الحقيقي لا يكون داخل علاقة تسلب الإنسان سلامه النفسي بل في القدرة على وضع حدود حازمة تمنع الآخرين من تجاوزها فالرحيل عن العلاقة السامة ليس هزيمة بل هو أكبر انتصار يحققه الإنسان لنفسه واسترداد لسيادة الذات التي حاول الإدمان النفسي طمسها فالعلاقات السامة سجن جدرانه من الأوهام والخروج منها يتطلب شجاعة الاعتراف بأننا لسنا مكلفين بإصلاح الآخرين على حساب هدم أنفسنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock