دين ومجتمع

فى حضرة الصيام– 17- ​فاسألوا أهل الذكر: ميثاقُ الوراثةِ وسدنةُ اليقين

​بقلم:كامل عبد القوي النحاس

​افتتاحية:

ميزان النور وفوضى الجهل:
​الأمم التي تسأل أهل الذكر تعيش في النور، والأمم التي تستفتي الجهل تعيش في الفوضى.
فالعلم ميزان الله في الأرض، ومن فارق الميزان تاه في صحراء التأويل.
​المعرفة ميثاق سيادي:
في سكون الصيام وجلال الخلوة، تتجلى حقيقة كبرى؛
أن المعرفة ليست ترفاً فكرياً أو رفاهية ذهنية.
بل هي رباط غليظ يربط هداية السماء بحركة الحياة اليومية.
​تسلسل الهداية:
لم يترك الله الخلق هملاً يتخبطون في دياجير الظنون.
بل جعل النور يمتد في سلسلة ذهبية من مشكاة النبوة إلى صدور العلماء. ليظل الوحي حيًّا في ضمير الأمة، يقودها إذا اهتدت، ويقيم عوجها إذا مالت بها السبل.
​سيادة المرجعية:
إن المرجعية العلمية الرصينة هي السياج الذي يحمي الشريعة من سيولة التأويلات العابرة. وهي التي تصون المجتمع من غواية “أدعياء العلم” الذين يسطحون الدين ويجرفون العقول.
​قدسية الكلمة:
السؤال في محراب العلم عبادة تقرب إلى الله. والجواب أمانة عظمى؛ لأن الكلمة التي تُلفظ في شأن الدين قد تُحيي قلباً بنور اليقين، أو تضل عقلاً في متاهات الشك.
​استهلال:
قاعدة الاستخلاف والبيان:
​يقول الحق سبحانه في سورة الأنبياء:
{وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (الآية: 7).
​تراتبية الهداية:
ترسي هذه الآية ميثاقاً إلهياً يبدأ بالوحي السماوي النازل على صفوة الخلق من الرسل. وينتهي بالبيان البشري المنضبط الذي يقوم به أهل العلم الراسخون. مما يخلق اتصالاً معرفياً لا ينقطع بين المطلق والمقيد.
​صمام أمان الشريعة:
لم يكن الدين يوماً كلأ مستباحاً للفوضى الفكرية.
بل قام على تراتبية معرفية تجعل من الرجوع لأهل الذكر جسر النجاة الوحيد للفهم المنضبط.
وهو حائط الصد الأول ضد العبث بمقاصد الشريعة.
​أولاً: مدلولُ الرجولة..
السيادةُ الوظيفيةُ لا التمييزُ العرقي
​حين قصر القرآن الكريم الرسالة على “رجالاً”،
لم يكن ذلك تفضيلاً عرقياً أو انتقاصاً من قدر المرأة.
بل كان تقريراً لحكمة وظيفية عميقة في نظام التكليف الإلهي:
​الرجولة صفة تكليف:
هي عنوان للثبات في معترك البلاغ الشاق. وجسارة في مواجهة عواصف التكذيب والصدود. وصبر سيادي على أعباء حمل أمانة الوحي التي تنوء بها الجبال.
​عبقرية التكامل:
العلاقة بين الرجل والمرأة في الإسلام هي علاقة مودة وتراحم. لا ندية وتصادم، ولا محاصصة وتزاحم.
فالمساواة في القيمة الإنسانية لا تقتضي التطابق في الوظائف الكونية، لقوله تعالى:
{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ} (آل عمران: 36).
​تمايز المهام:
الرجل يتقدم بطبيعته لمواجهة أعباء القيادة والتبليغ والمواجهة الخارجية.
بينما تمثل المرأة المحضن التربوي المقدس الذي يصوغ وعي الأجيال ويغرس قيم الإيمان في سويداء القلوب.
​استقامة البناء:
بهذا التوازن الرباني، لا يشقى رجل بمنافسة امرأة في خصائصها، ولا تضيع امرأة بمحاكاة رجل في وظائفه.
بل ينهض كل بدور يحقق استقرار الأمة وبقاء هويتها القوية.
​ثانياً: بشريةُ الرسل.. القدوةُ الممكنةُ ومحل القدرة
​إن إصرار القرآن الكريم على تأكيد بشرية الرسل هو في جوهره “رحمة إلهية”.
تهدف لتحقيق إمكانية التطبيق العملي، ونقل الدين من عالم المثال المجرد إلى واقع الحياة المعاش:
​مفتاح الاقتداء:
تعجب المنكرون قائلين:
{وَقَالُوا مَا لِهَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} (الفرقان: 7).
غافلين عن أن هذه البشرية هي “سر القدوة”. فلو كان الرسل ملائكة لظل الدين مثالياً محلقاً لا يطاله جهد البشر، ولتعذر الامتثال للأمر الإلهي.
​التواصل الوجداني:
لقوله تعالى:
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلًا} (الأنعام: 9).
فالقدوة الحقيقية لا تكتمل إلا إذا كان المبلِّغ يشارك الناس ظروف حياتهم، ويتذوق طعم آلامهم وآمالهم. ويتحرك ضمن حدود طينتهم البشرية.
​الفارق الجوهري:
التميز الوحيد والفاصل هو “تلقي الوحي”؛ لقوله تعالى:
{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ} (الكهف: 110).
فالبشرية هي الوعاء الطاهر المستعد، والوحي هو النور الذي يسكب الهداية والبيان في ذلك الوعاء ليعم النفع للبشرية جمعاء.
​ثالثاً: ميثاقُ الوراثة.. من النبوةِ إلى سدنةِ الذكر:
​لم ينقطع مدد النور برحيل الأنبياء إلى الرفيق الأعلى. بل امتد أثره عبر “سدنة اليقين” من العلماء، في تواترية تعليمية وصيرورة معرفية تحفظ للأمة ثوابتها:
​سلسلة النور:
الوحي نزل على الرسل ليبلغوه كأصول. والرسل أورثوا علمهم وفقههم لأهل الذكر ليبينوه كتفاصيل وتطبيقات عمليّة. لقوله ﷺ:
«العلماء ورثة الأنبياء» (رواه أبو داود والترمذي).
​ثمرة التزكية:
هذه الوراثة ليست مجرد حفظ آلي للنصوص أو استعراض للمعلومات.
بل هي ثمرة صهر العقل والروح في بوتقة التقوى لفهم مراد الله. وهو ما يورث “عظيم الخشية”
المسؤولة:
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28).
​هيبة التخصص:
العلم الحقيقي لا يورث الغرور، بل يورث تواضع العارف بجلال المنزّل. وهذا ما يجعل الرجوع إليهم ضرورة شرعية ومنطقية، تماماً كرجوع الناس لأهل التخصص في شؤون دنياهم.
​الخاتمة:
وجوب الاتباع وحصانة المنهج
​إنَّ تواتر العلم من الرسل إلى أهل الذكر، ومن ثم انتشاره عبرهم للأمة، هو الضمانة الوحيدة لبقاء الشريعة حية وقابلة للتطبيق.
​فالعلماء هم المبلغون الذين ورثوا أدوات الفهم. ووجب على الأمة اتباعهم لتستقيم حياتها على مقتضى الوحي، ولتظل البشرية قادرة على تطبيق مراد الله ضمن حدود استطاعتها البشرية.
​التأمل:
جدليةُ الطين والنور
​عند التدبر في قوله تعالى:
{وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وما كانوا خالدين } (الأنبياء: 😎.
نلمس فلسفة الوجود الحق وعمق الحكمة الإلهية:
​تحرير الوعي:
أراد الله تحرير العقل البشري من التعلق بالأشخاص لذواتهم، ليرتبط بالمنهج الخالد والوحي الباقي.
فالأنبياء يرحلون والعلماء يموتون، ولكن “الذكر” يبقى نهراً جارياً يحيي شرايين الأمة.
​قداسة التفاصيل:
حين يأكل الرسول الطعام ويمشي في الأسواق، فإنه يسكب “النور” في “الطين”. ويحول العادة اليومية إلى عبادة قلبية. لتصبح تفاصيل الحياة بكل بساطتها طريقاً موصلاً وسجوداً عقلياً لله سبحانه.
​بقاء المعجزة:
إن بشرية القدوة تجعل من الإسلام ديناً حياً يتنفس. حيث تتحول المعجزات المادية العابرة إلى “معجزة العلم” الباقية والمتواترة. والتي تحفظ هوية الأمة وتقيم ميزان العدل والجمال فيها.
​السؤال :
هل ندركُ بعمق أنَّ سؤال أهل الذكر ليس مجرد طلبٍ عابر للمعلومة؟
بل هو “بيعة معرفية” تحمي العقل من التيه في أودية الضلال، وتصون المجتمع من فوضى التأويلات المنفلتة؟
​التوصية:
أوصيكم ونفسي في هذه الأيام المباركة باستقاء الدين من صدور العلماء الراسخين الذين جمعوا بين سعة العلم وهيبة الخشية. وبتربية الأجيال على احترام “التخصص”؛
فخلاص الأمم في الأزمات لا يكون بكثرة الأصوات الصاخبة،

بل في العودة الصادقة إلى رزانة ميزان العلم وسكينة اليقين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock