فى حضرة الصيام «9» ..الزكاة ركيزة الصيام المنسية
بقلم: الأديب المفكر د. كامل عبد القوي النحاس

في حضرة الصيام 9
سلسلة مقالات رمضانية
استهلال: الزكاة.. ركيزةُ الصيام المنسية
الصيام في محراب رمضان ليس مجرد معراجٍ روحي يكتفي بتهذيب الغرائز،
بل هو “هندسةٌ إلهية” متكاملة الأركان، ترمي إلى إعادة صياغة الإنسان في مادتِه ومعناه.
ومن تجليات هذه الهندسة أن الحق سبحانه جعل الصيام والزكاة صنوين لا يفترقان في مقام التزكية،
فإذا كان الصيام هو “زكاة البدن”، فإن الزكاة هي “صيام المال” عن حبس الحقوق.
إن الضابط الشرعي الذي يربط بينهما يكمن في وحدة “المقصد التطهيري”، فكما أن الصيام يقتطع من وقتك وشهواتك ليحرر روحك،
فإن زكاة المال تقتطع من ثروتك ونمائها لتطهر مكسبك.
ومن هنا، يصبح الصوم بلا أداء لزكاة المال (لمن وجبت عليه) بناءً ناقصاً،
لأن التقوى التي هي ثمرة الصيام لا تستقيم في قلبٍ لا يزال يحبس “حق الفقير” ويراه ملكاً خالصاً لنفسه.
فالزكاة هي البرهان العملي على صدق الصائم، إذ ليس من المنطق الفقهي ولا الوجداني أن يمتنع العبد عن “حلال الطعام” طاعةً لله، ثم يصرُّ على استبقاء “حرام المال” -وهو حق الفقير المودع فيه- بخلًا وشحّاً.
أولاً: فلسفة الزكاة.. من التملك إلى الأمانة
• الزكاة عبادةٌ مالية ذات أبعاد غائرة في عمق النفس البشرية،
فهي لا تهدف فقط لسد حاجة الجائع، بل تعيد صياغة علاقة الإنسان بالوجود.
• تطهير النفس والمال: يقول الحق سبحانه:
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (سورة التوبة: الآية 103).
الزكاة هنا هي “ترياق” يغسل المال من شوائب الكسب العارضة، ويُطهر الروح من جراثيم الشح التي قد تفتك بجمال الإيمان.
• المال أمانة لا ملكية: الزكاة تكسر وهم “الملكية المطلقة” في نفس الإنسان، وتذكره بأن ما في يده هو “مال الله” استخلفه فيه ليختبر أمانته.
فالمزكي حين يخرج ماله، فإنه يتحرر من عبودية المادة ليحلق في رحاب العبودية للخالق، مصداقاً لقول النبي ﷺ:
«ثلاثٌ من فَعَلَهُنَّ فقد طَعِمَ طَعْمَ الإيمانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ وأَنَّهُ لا إلهَ إلا اللهُ، وأَعْطَى زكاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بها نَفْسُهُ» (رواه أبو داود).
• ترميم التصدع الاجتماعي: حين تتدفق أموال الزكاة في عروق المجتمع،
فإنها لا تكتفي بمسح دمعة بائس،
بل تستأصل الحقد الطبقي، وتخلق ألفةً روحية تجعل الفقير حارساً لمال الغني، لأنه يرى فيه صيانة لكرامته لا أداة لطغيانه.
ثانياً: أدب الحساب.. حين يتدخل العقل في محراب العبادة
لأن الزكاة حقٌّ شرعي وليست عطيةً عفوية،
فإن الدقة في حسابها هي عين التقوى.
التغافل عن الأرقام هنا ليس من الزهد في شيء،
بل هو تفريطٌ في ميزان العدل الإلهي.
على الصائم “المحاسب لنفسه” أن يقف عند هذه الضوابط:
• فلسفة النصاب والحول: الزكاة لا تقتحم خصوصية المحتاجين،
بل تُفرض على “الأغنياء” الذين تجاوز مالهم “النصاب” (وهو الحد الأدنى الذي يفيض عن الضرورات). • كما يشترط “الحول” (مرور عام كامل) لضمان استقرار المال ونمائه. هي نسبةٌ ضئيلة (2.5%) تُؤخذ من “الفائض” لا من القوت الضروري، ليكون العطاء رحيماً بالمعطي، محيياً للآخذ.
• شمولية الوعاء الزكوي: لا تقتصر الزكاة على السيولة النقدية فحسب،
بل تمتد لتشمل عروض التجارة، والذهب، والفضة، والزروع، والماشية. فكل مالٍ فيه روح النماء، فيه حقٌّ للسماء، ينبغي حصره بدقة تامة.
ثالثاً: مصارف الزكاة.. أين يذهب حق الله؟
لقد قطع الوحي الطريق على أهواء النفوس، فحدد مصارف الزكاة بثمانية مسارات لا يجوز تجاوزها، كما ورد في قوله تعالى:
{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة: الآية 60).
هذا الحصر الرباني يؤكد أن الزكاة ليست مالاً سائباً لبناء الحجارة،
بل هي “حقٌّ إنساني” بامتياز. الأولوية فيها للفقير والمسكين لانتشالهما من ذل الحاجة، وللغارمين لفك أسر ديونهم.
الالتزام بهذه المصارف هو الذي يضمن أن الزكاة تؤدي وظيفتها الاجتماعية دون عشوائية.
رابعاً: من “الإعالة” إلى “الإغناء”
إن الغاية الكبرى من الزكاة ليست إبقاء الفقير على قيد الاحتياج بلقيمات عابرة،
بل الغاية هي “الإغناء”. وما أجمل أن تتحول الزكاة إلى قوة تنموية، تنقل الإنسان من كونه “متلقياً” لليد الدنيا إلى “صاحب” يد عليا.
ويا حبذا لو وُجِّهت مبالغ الزكاة لتمويل مشاريع صغيرة للمحتاجين، فإعطاء الفقير “أداة إنتاج” (كآلة حرفية أو بضاعة تجارة) خيرٌ من إعطائه دراهم تنتهي بانتهاء يومه.
إننا بذا نحول الزكاة من مجرد “مسكن للألم” إلى “علاج للجرح”، لنصل بالمجتمع إلى حالة الاكتفاء التي تغني الفقير حتى يصبح هو نفسه مستغنيا ثم مزكيا بعد عام أو أعوام.
الخاتمة: ميزان القبول
الصيام بلا زكاة -لمن وجبت عليه- هو صيامٌ منقوص الجمال، فاتر الأثر.
لا يكتمل نور العبادة إلا إذا اجتمع صوم الجسد مع كرم النفس.
فكل درهم يخرج لمستحقه هو “بذرةُ برٍّ” تُنبت أمناً في الأرض وذخراً في السماء.
الصائم الحق هو من يجمع بين صوم البطن عن الشهوات، وصوم المال عن البخل، وصوم القلب عن التعلق بغير الله.
تأمل اليوم التاسع:
هل نظرت إلى مالك يوماً كقيدٍ يكبلك،
أم كجسرٍ تعبر به إلى مرضاة الله؟
هل ذقت حلاوة “الخفة” حين تتخفف من ثقل المال الذي لا تملكه حقيقةً؟
السؤال:
هل أحسنت حساب حقوق الفقراء في مالك بدقة “المحاسب” وتقوى “العابد” قبل أن يرحل رمضان، أم غلبتك حيرة الأرقام عن وضوح حقوق غيرك فى مالك؟



