مقالات وآراء

فيرجينيا جوفري المرأة البطلة التي أسقطت أمبراطورية الشيطان

بقلم د - حكيمة جعدوني

رؤية سياسية اجتماعية إنسانية نقدية في ملف جيفري إبستين

في ملف الصهيوني اليهودي جيفري إبستين، يتعرّى وجه العالم المعاصر أمام الإعلام العالمي، منظومة انحراف صهيو-إسرائيلية عابرة للدول، محميّة بالنفوذ، ومُحصّنة بالصمت، ومُدارة بعقلية طقوسية سادية تنتمي إلى أحطّ ما أنتجته السلطة حين تفلت من الأخلاق.
وسط هذا الجحيم، لم يخرج جيش، ولم تنطق دولة، ولم ينتفض ضمير ذكوري واحد. خرج صوت واحد ليكسر الطوق، صوت امرأة.
امرأة فتحت ملفا ظلّ مغلقا لسنوات، وأطاحت بأكبر شبكة امتدّت من جزيرة معزولة إلى عواصم القرار العالمي، ومن غرف سرّية إلى أعلى هرم السلطة السياسية والاقتصادية والعلمية.
أكبر منظومة صهيويهودية عرفها التاريخ الحديث، استمرت في ارتكاب جرائمها لسنوات طويلة بلا رادع.

في المقابل، يقف المشهد الرجولي على الضفّة الأخرى من التاريخ. آلاف الرجال كانوا على تماس مباشر مع هذا العالم الأسود؛ زاروا الجزيرة بانتظام، عرفوا كل تفاصيل الانتهاكات، وشاركوا، بشكل مباشر، في شبكة الانتهاكات هذه. ومع ذلك، لم يُسجَّل حتى اليوم صوت رجولي واحد من داخل هذه المنظومة، فضحها أو ساهم في كسر جدار الصمت بكشفها، رغم أن المتورّطين ينتمون إلى أعلى هرم السلطة والنفوذ، وزراء، رؤساء دول، أمراء امبراطوريات، أكاديميون، علماء مشهورون، ورجال أعمال. ولا شهادة واحدة خرجت من أفواههم. هذه الفضيحة التي عرفت عالميا بتسريبات جيفري إبستين، هي الكابوس المرعب الذي صدم الإنسانية وزلزل عروش دول وإمبراطوريات في مختلف أنحاء العالم.
الصمت الرجولي هنا، يمثّل غياب كلّي للمبادرة، كما يعكس ثقافة أعمق وأخطر. فبعض الرجال، حتى أولئك الذين لم يثبت تورّطهم المباشر في الاغتصاب أو الجرائم الجنسية أو الطقوس الشيطانية وتقديم القرابين، اكتفوا بالمشاهدة الصامتة، ولم يروا ضرورة للتدخّل لإيقاف الوحشية أو الإدلاء بالشهادة. من بينهم موظفين على القوارب، في الطائرات، مساعدين، خدم، وسعاة توصيل، جميعهم رأوا، سمعوا، لمسوا الحقيقة، ثم آثروا الصمت.

في هذا السياق الخطير، تتحوّل امرأة واحدة من ضحيّة إلى شاهدة استثنائية وفاعل تاريخي. تغدو فيرجينيا جوفري صوت المقاومة الوحيد في مواجهة آلة فساد ذكورية متكاملة. بينما يصبح الرجل، بحكم صمته، عنصر خطر وتهديد إضافي، لأن سكوته يعتبر مشاركة ضمنية تسمح باستمرار الانتهاكات والاعتداءات الممنهجة والظلم، ويمنح الجناة زمنا أطول للإفلات، ويعزّز الهيمنة على الضحايا ويضاعف الألم الواقع على الأطفال والنساء.

في ضوء ذلك، تتجاوز القضية حدود العدالة القانونية، ليغدو اختبارا أخلاقيا وإنسانيا عميقا،
فكيف يُسمح للرجل أن يشهد الفساد وينجو بصمته؟ وكيف تمسي الشجاعة مسارا نسويا بحتا، بينما يغيب الدعم الذكوري الذي كان يمكن أن يحوّل الصمت إلى كشف، والخوف إلى شهادة؟ إن هذه المفارقة تفرض إعادة النظر في بنية السلطة، وفي العلاقات بين الجنسين، وفي الوعي الأخلاقي في المجتمعات التي تُغرق فيها النفوذ والسلطة كل صوت صادق، باستثناء صوت المرأة الذي يكسر جدار الصمت.

أما دور الرجل في جرائم جزيرة إبستين، فيتجلّى بوضوح مأساوي في قضية فيرجينيا جوفري نفسها.
إذ تبلغ المأساة ذروتها في سيرة هذه المرأة البطلة. الرجل الذي يُفترض أن يكون خطّ الأمان الأوّل، والدها الذي من المفترض أن تحتمي به، كان أول من اغتصبها. هذه الحقيقة الصادمة تكشف البعد الأعمق للفاجعة، الخطر لم يعد خارجيا، ولكن صار حميميا، قريبا، متخفّيا في أكثر العلاقات قداسة.

في هذا الزمن، بات الرجل يشكّل خطرا على المرأة، حتى عندما يكون والدها، أو زوجها، أو أخاها، أو جارها، أو زميلها. والدليل القاطع أن رجالا ارتادوا جزيرة إبستين، رأوا الجرائم، وعرفوا حجم الانتهاكات، ومع ذلك اختاروا الصمت، بدل أن يكونوا حماة أو مدافعين أو شهود حق. من كان يُنتظر منهم الحماية، صاروا جزءا من منظومة الخطر، ومن كان يُراد له الصمت، صار صوت العدالة الوحيد. امرأة قرّرت أن تدفع ثمن الحقيقة كاملة.

المرأة البطلة؟ من تكون؟ وكيف استطاعت أن تواجه العالم وحدها، وأن تكون سببا في سقوط أكبر شبكة انحراف؟
فيرجينيا جوفري من أستراليا، أول من فتح باب وكشف عن أكبر منظومة جنسية سادية وطقوس شيطانية في التاريخ الحديث، شارك فيها مجرمون في هيئة رؤساء دول وأمراء إمبراطوريات وعلماء ورجال أعمال، وهي الفضيحة المعروفة اليوم بتسريبات جيفري إبستين التي هزّت العالم.

تروي فيرجينيا أنّ الرعب الحقيقي بدأ مع تفاصيل الاعتداءات، وكان أكثر ما أصابها بالذهول أنّ شخصيات حكومية نافذة كانت حاضرة تشاهد، وتشارك، وأنّ من كانت تتخيلهم ملجأً وحماية كانوا هم أنفسهم الجناة.

هذه الفتاة، فيرجينيا، حين كانت في السابعة من عمرها، بلا حول ولا قوة، لم تكن ضحية غريب متخفٍّ في الظلام، ولكن وقعت ضحية والدها. الرجل الذي يفترض أن يكون أعلى درجات الأمان، كان أول من اغتصبها. لم تستطع أن تفعل شيئا. لم تملك خيارا. جسد طفلة كان تحت سلطة رجل.

هل اكتفى بذلك؟ لا. سلّمها لصديقه كي يغتصبها هو أيضا. وهل اكتفى؟ لا. بل قدّمها لاحقا إلى منتجع تابع لمنظومة السلطة في ذلك الزمن، ترامب وهو الآن على رأس الحكم الأمريكي، حيث كانت العصابة تنتظر لتنهش جسد طفلة أخرى.

هنا يتجلّى الدور الحقيقي للرجل في هذه القضية، مساهم مباشر في الجريمة. من الأب، إلى الصديق، إلى الشبكة، إلى الزبائن، إلى الصامتين. كلّما وقعت طفلة في يد الرجال، لم يتأخروا في انتهاك عرضها، وإنما انتهزوا الفرصة. لم يظهر رجل واحد وقال: لا. لم يظهر رجل واحد وأوقف ما يحدث. لم يظهر رجل واحد وكسر السلسلة.

عندما دخلت فيرجينيا إلى تلك الجماعة، اغتصبها الجميع. لم يكن اغتصاب فرد، ولكن اغتصاب جماعي منظّم. ولو أن رجلا واحدا فقط قال: “لا أريد”، أو أوقف هذه الجرائم والمجازر التي كانت تحدث في الجزيرة المشؤومة، لما استمرت تلك المنظومة. لكن صمت الرجال كان إجماعا، والمشاركة كانت شاملة.

منذ طفولتها، لم تكن فيرجينيا راضية عمّا يحدث لها. والحجّة عندما كبرت، وعندما استطاعت النجاة بنفسها، لم تختَر الصمت. لم تقبل الأموال التي قُدّمت لها مقابل السكوت كما فعلت كثيرات. لم تبحث عن تسوية. بل فتحت قضية شرف تهدّد منظومة عالمية.
وقفت هذه المرأة وحدها أمام وحوش العالم، زعمائه، رؤسائه، قادته، ولم تتردّد. قالت الحقيقة كاملة. فضحتهم أمام القضاء. لم تسكت عن جريمة والدها، ولم تغطّ عليه باسم العائلة. لم تدّع الطهارة أمام المجتمع لتنال الحب. لم تكذب على زوجها في أستراليا وتدّعي أنه الرجل الوحيد في حياتها. وإنما أخبرته بكل ما حصل معها بالتفاصيل.

تكلّمت أمام الصحافة والإعلام. تعرّضت للتهديد. ولم تكن أيادي السلطة المتآمرة رادعا لها. رفعت القضية وطنيا ودوليا. ولم تكتفِ بذلك. أدركت أن الشهادة يمكن إسكاتها، فاختارت توثيق الحقيقة. تواصلت مع صديقة مقرّبة لها، الكاتبة ألكسندرا جيكوبس، وطلبت منها أن تكتب قصتها كاملة، حرفا بحرف، حتى لو جرى إسكاتها يوما ما. فقد تركت خلفها كتاب يحمل إدانة موثقة لا يمكن محوها. فكتبت القصة كاملة، وسلّمت صديقتها نسخة، واحتفظت الكاتبة بنسخة أخرى. وعندما تعرّضت فيرجينيا للضرب تحت التهديد، لم تتراجع، ولكن أمرت صديقتها بنشر الكتاب فورا إن جرى إسكاتها أو اغتيالها بأي طريقة. لم تكن تحمي نفسها، بل كانت تؤمِّن على الحقيقة كي تعيش بعدها.

هل قالت أن لديها أطفال، وعليها أن تصمت؟ هل قالت إن لديّها زوج، فمن سيرعاهم إن استمرت؟ لا.

هذه المرأة كانت تعلم أن المواجهة مع زعماء العالم تعني أن حياتها ستكون على المحكّ، وأسرتها ستعيش تحت الضغط، وسمعتها ستستباح، وتهديدها سيبقى قائما. ومع ذلك، دفعت الثمن كاملا. ضحّت بأمانها، وباستقرار زوجها، وبطفولة أبنائها، وبعائلتها، وبسمعتها، كي تخرج الحقيقة إلى العلن، حتى لو عاشت منبوذة أو مهددة إلى الأبد.

وفعلا، ما إن تكلّمت، حتى انقلب العالم رأسا على عقب.

إبستين “انتحر” في زنزانته في واحدة من أكثر القصص إثارة للشك في التاريخ الحديث. أسماء ثقيلة جُرّت إلى المحاكم، ملوك جردوا من ألقابهم رؤساء سابقون تشوّهت سمعتهم كما حدث مع بيل كلينتون وزجته. أمراء سقطوا من عليائهم. شخصيات سياسية ومالية اهتزت. الجزيرة أُغلقت، والشبكة تفكّّكت، والجرائم فيها توقفت، والأبرياء منها أُنقذوا.

امرأة واحدة فعلت ما لم يفعله آلاف الرجال الذين دخلوا تلك الجزيرة، ورأوا، وعرفوا، وصمتوا.
امرأة واحدة كانت أشرف من كل رجل وطئت قدمه ذلك المكان. وأشجع من كل من عرف الحقيقة وفضّل الصمت عن الإدلاء بشهادته.

امرأة واحدة، نعم، أشدّ شجاعة من كثيرات تعرّضن للاغتصاب من طرف رجال تافهين ثم صمتن، وإن تم شراء صمتهن ببضع دراهم أو خوفا من العار. لكن الفرق هنا أن هذه المرأة لم تواجه رجالا عاديين، بل واجهت زعماء العالم، وحُكّامه، وأصحاب النفوذ المطلق. عُرضت عليها أموال بنوك العالم كي تصمت، فرفضت.

هنا يتّضح الميزان الأخلاقي بلا التباس، هذه المرأة، بوقفتها، تفوّقت على آلاف الرجال، وتفوّقت على كل سلطة ارتعدت من قول كلمة حقّ.

هي بطلة، لأنها انتصرت لشرفها، ولشرف كل طفلة ستكبر يوما وتصبح امرأة. بطلة لأنها قالت الحقيقة وهي تدفع الثمن. ضحّت بأمانها، وبمصير زوجها، وبأبنائها، وبعائلتها، وبسمعتها، لتُخرج الحقيقة إلى النور.

من خلال هذه الرؤية التحليلية، يتّضح بجلاء، المرأة هنا بطلة، محترمة، وأخلاقيا، تتفوّق على كل من زعم أنه رجل. لطالما اعتدنا سماع خطاب يمجّد “بطولة الرجال”، لكن للمرة الأولى نقولها بوضوح: المرأة هي الجديرة بوسام البطولة، وعلى التاريخ أن يدوّن ذلك بلا تردّد.

فيرجينا، حين صارت امرأة، دافعت عن طفولتها. دافعت عنها لأنها لم تكن راضية منذ البداية.
ومن هنا يجب قول الحقيقة بلا تزييف: كل امرأة تعرّضت للاغتصاب في طفولتها وبقيت صامتة حين كبرت، حوّلت الجريمة إلى رضا، وبقيت بلا مواجهة. أمّا التي لم تكن راضية، فواجبها ولو بلغت مئة سنة أن تظل تحارب، وتناضل، وتطالب بحقها، وبطفولتها التي سُلبت منها. هذه المرأة، التي يصفها بعضهم بالكافرة، أنقذت أطفال العالم. أنقذت شرف المرأة وبيّنت أن هناك امرأة شريفة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بلا مواربة: ماذا كانت لتفعل المرأة المسلمة لو كانت في موضعها؟ هل كانت ستقف في وجه منظومة عالمية من المال والسلطة والنفوذ؟
أو كانت ستكتفي بتلميع صورة مغتصبها وتدّعي أنها محترمة وليس لها ماض أسود معه؟!

أقول إن على الحكومة الأسترالية أن تكرّمها تكريم الأبطال، تمثال في الساحة الوطنية، وأعلى أوسمة البطولة. فلولا هذه المرأة، لما أُنقذ هؤلاء الأبرياء، ولما توقفت شبكة كانت تستجلب الأطفال وتلقي بهم في جزيرة للاعتداء والاتجار والانتهاك. وهذا هو تعريف البطولة.

هذه المرأة التي وُصمت وشُوّهت أنقذت أطفال العالم، وأنقذت شرف المرأة، وأثبتت أن الكرامة فعلا ومواجهة وليس صمتا ولا تخفيّا.

أما أولئك الرجال الذين يطالبون النساء بالصمت “حفاظا على سمعة العائلة”، لأنهم مارسوا الرذيلة معهن، فليُجيبوا هل الشرف أن تُخفى الجريمة؟ أم الشرف أن تُقال الحقيقة وترفَع الشهادة عاليا لأن الضحية لم تشارك.

ثم انظروا إلى الفارق الأخلاقي، حين تكون السلطة هي المعتدي كما يفعل حاكم أمريكا ترامب المعتدي على ابنته، لما يكون النفوذ هو الساتر، لا نسمع له شهادة من داخل بيته المحصّن، ولا نرى مواجهة لها تُسقط العصابة. أمّا هنا، فقد واجهت امرأة واحدة منظومة عالمية، وقالت: لا.

،؛، الشرف في أن تواجه المرأة ماضيها كما فُرض عليها، وفي أن تقول ما حصل بوضوح وشجاعة،
وفي أن ترفع صوتها عاليا دون خوف أو خضوع أو تزييف. الشرف في إعلان الحقيقة بلا خجل، لأنها كانت ضحية، والجريمة فُرضت عليها بالقسر والعنف، ولأنها لم تكن يوما شريكة فيها.،؛،

الحقيقة لا تحتاج إلى عينين لكي ترى وإنما إلى قلب نقيّ ونيّة صادقة مثل إحساس فرجينيا التي ضحّت بنفسها في سبيل كرامتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock